الهدى – وكالات ..
لم تدم طموحات السوريين بالتخلص من كابوس الإتاوات طويلاً؛ فبعد أشهر قليلة من الهدوء الذي أعقب التغيير السياسي، عادت ظاهرة الابتزاز المالي على الحواجز لتتصدر المشهد السوري بوجوه جديدة.
ومع تلاشي رعب حواجز “الفرقة الرابعة” التابعة للنظام السابق، برزت حواجز أمنية وعسكرية تابعة للحكومة الانتقالية، تمارس الأساليب ذاتها التي أرهقت المدنيين والتجار، مما انعكس طرداً على ارتفاع الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية.
ارتباك مروري وجبايات
وتنتشر حالياً على الطرق الرئيسية ما يعرف بـ”الحواجز الطيارة”، التي تستهدف بشكل خاص شاحنات البضائع والخضار.
ولم تقتصر أضرار هذه الحواجز على الجانب المادي، بل تعدته إلى خسائر بشرية؛ حيث وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل شخصين وإصابة آخرين على طريق دير الزور – دمشق، إثر ارتباك مروري تسبب به حاجز مؤقت لدورية جمارك انتقالية كانت تحاول إيقاف شاحنة “بندورة” لفرض إتاوة، مما أدى لصدام متسلسل بين عدة سيارات.
وفي ريف دمشق، وتحديداً في مدينة “الرحيبة”، تعالت صرخات السائقين من جبايات “مقطوعة” تُفرض علناً وتحت أنظار السلطات المحلية، محملين رئيس البلدية المسؤولية، ومطالبين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالتدخل لوضع حد لهذه التجاوزات التي تضاعف التكاليف التشغيلية للنقل.
ترسيم حدود السيطرة
وتحولت خطوط التماس بين مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى بيئة خصية لانتزاع الأموال.
الحواجز الممتدة من ريف دير الزور إلى ريف حلب تفرض رسوماً غير قانونية تتراوح ما بين 100 إلى 250 دولاراً للشاحنات الصغيرة، وتصل إلى 1000 دولار للشاحنات الكبيرة.
وهذه الممارسات طالت حتى الثروة الحيوانية، حيث تُفرض إتاوة قدرها 15 دولاراً عن كل رأس غنم يتم نقله بين المحافظات.
ولا يسلم المدنيون من هذا الابتزاز؛ إذ يضطر الطلاب والمرضى المتنقلون بقصد الدراسة أو العلاج لدفع مبالغ مالية لتسهيل عبورهم، مما خلق حالة من الاستياء الشعبي العارم.
السويداء وعفرين.. حصار وإتاوات
وجنوباً، تعيش مدينة السويداء واقعاً مأساوياً؛ حيث تفرض الحواجز المحيطة بها إتاوات على شحنات الطحين والمواد الغذائية، ما أدى لنقص حاد في المحروقات والسلع الأساسية.
ويصف الصحفي فارس جاد الله، هذه الحواجز بأنها “مصدر رعب” يتسبب بانهيار القدرة الشرائية للأهالي، متسائلاً إن كان الهدف هو “التجويع لتحقيق مكاسب سياسية”.
أما في الشمال، وتحديداً في عفرين، فقد استمرت الفصائل المسلحة (المنضوية الآن تحت وزارة دفاع الحكومة الانتقالية) بممارسة الابتزاز ضد المزارعين.
وتفرض “اللجنة الاقتصادية” إتاوات شهرية على المحال الصناعية بمقدار 40 دولاراً، بينما تفرض الفصائل دولاراً واحداً عن كل شجرة زيتون بذريعة “الحماية”.
ووصلت الانتهاكات إلى مصادرة المحاصيل بالكامل تحت حجة أن “الأرض عسكرية”، أو فرض إتاوات عينية من زيت الزيتون، وسط تهديدات بالاعتقال أو القتل لكل من يعترض.
واقع مرير وعجز حكومي
ورغم نفي الحكومة الانتقالية رسمياً فرض أي رسوم على نقل البضائع، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد أن “اللغة القديمة” لا تزال هي السائدة.
فالسوريون الذين أملوا في عهد جديد ينهي حقبة “التشبيح المالي”، يجدون أنفسهم اليوم أمام فصائل متعددة تتقاسم الطرقات، مما يجعل التاجر والمواطن يدفع الثمن مراراً، وسط غياب تام للرقابة والمحاسبة.
