أسوة حسنة

هندسة النفس البشرية وعدالة التعايش: قراءة تحليلية في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام

إن تبني منهج علي بن أبي طالب عليه السلام في التعامل مع “الآخر” – سواء كان هذا الآخر شريكاً في الحياة، أو جاراً، أو مخالفاً في الرأي – يضمن لنا سلاماً داخلياً ومجتمعاً آمناً

مقدمة

تشرق علينا ذكرى ولادة سيد الأوصياء، وليد الكعبة المشرفة، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، لا كمجرد مناسبة تاريخية عابرة، بل كمحطة لإعادة هندسة الذات البشرية وترميم ما تصدع من جدران النفس والروح في ظل ضغوطات الحياة المعاصرة. إن الحاجة الماسة التي يشعر بها الإنسان اليوم للوصول إلى الاستقرار النفسي والعدالة الاجتماعية تجعل من العودة إلى تراث هذا الإمام العظيم ضرورة حياتية ملحة، وليست ترفاً فكرياً. نحن هنا بصدد استنطاق النصوص الشريفة لتقديم “وصفة” نفسية واجتماعية مستمدة من سلوك المعصوم، تعالج قلق الإنسان المعاصر وتمنحه ترياقاً لداء التعصب والانغلاق.

الدلالة اللغوية: التوازن أساس العدالة

عندما نبحث في جذور المصطلحات التي شكلت محور حياة أمير المؤمنين عليه السلام، نجد أن مفهوم “العدل” لا يقتصر على الحكم القضائي فحسب. يشير اللغويون إلى أن مادة (ع د ل) تدور حول الاستقامة والمساواة، ففي اللغة: “العدل: الحكم بالحق، وهو نقيض الجور”، ويقال “عدل الشيء بالشيء أي سواه به” [1]. ويذهب ابن منظور إلى أن العدل هو “ما قام في النفوس أنه مستقيم” [2]. هذا التعريف اللغوي يفتح لنا نافذة تحليلية مهمة؛ فالعدالة عند علي عليه السلام تبدأ من “استقامة النفس” من الداخل لتنعكس سلوكاً في الخارج. لا يمكن لمن يعاني اعوجاجاً نفسياً أو اضطراباً في تقدير الأمور أن يقيم العدل بين الناس. إنها معادلة لغوية ونفسية دقيقة: التوازن الداخلي يولد العدالة الخارجية.

الاستقرار الانفعالي وإدارة الغضب: نظرة نفسية

يعاني الكثير منا اليوم من سرعة الانفعال وفقدان السيطرة في لحظات الغضب، مما يؤدي إلى تدمير العلاقات الاجتماعية والأسرية. هنا يقدم لنا علم النفس الحديث مصطلح “الاستقرار الانفعالي”، ويعرفه علماء النفس العرب بأنه قدرة الفرد على الاحتفاظ بهدوء أعصابه في الظروف المثيرة للاضطراب، والقدرة على التحكم في الانفعالات وتوجيهها التوجيه السليم [3].

لقد جسد أمير المؤمنين، عليه السلام، أعلى درجات هذا الاستقرار، ليس في حالات الرخاء، بل في أشد حالات الحرب والنزاع حدة. نلحظ ذلك بدقة في وصيته لمالك الأشتر، حيث يرسم استراتيجية نفسية للتعامل مع الرعية، قائلاً عليه السلام: “وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ” [4].

إن استخدام تعبير “أشعر قلبك” يشير إلى عملية برمجة ذاتية واعية للمشاعر، وهو ما يسمى في علم النفس بـ “الذكاء العاطفي”، حيث يقرر الإنسان نوع المشاعر التي يجب أن تسود داخله بدلاً من أن يكون رد فعل للمؤثرات الخارجية، ويؤكد علم النفس الاجتماعي أن القادة الذين يمتلكون تعاطفاً عالياً هم الأكثر قدرة على بناء مجتمعات متماسكة وخالية من العنف  [5] إن الإمام علياً عليه السلام لم يكتفِ بالدعوة لكبت الغضب، بل دعا لتحويل الطاقة الشعورية إلى طاقة حب ورحمة، وهو أرقى مستويات الصحة النفسية التي يطمح لها الإنسان السوي.

الانفتاح على الآخر: تأسيس حقوق الإنسان

في ظل الصراعات الطائفية والعرقية التي تمزق نسيج المجتمعات، يبرز النص العلوي الخالد كدستور عالمي للتعايش. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في عهده للأشتر: “فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ” [6].

هذه العبارة ليست مجرد شعار، بل هي تأسيس سوسيولوجي (اجتماعي) لمفهوم المواطنة القائم على المشتركات الإنسانية. يحلل علماء الاجتماع ظاهرة “الإقصاء الاجتماعي” بأنها ناتجة عن تجريد الآخر من إنسانيته، مما يسهل الاعتداء عليه [7]. لقد قطع الإمام عليه السلام الطريق على هذه النزعة النفسية المرضية من خلال تذكير الإنسان بأن “الآخر” هو نظير ومساوي له في أصل الخلقة.

تطبيقياً، نجد هذا السلوك جلياً في معركة صفين. فعندما سيطر جيش معاوية على الماء ومنعوا جيش الإمام منه، ثم استعاد جيش الإمام السيطرة عليه، طالب بعض الجنود بالمعاملة بالمثل ومنع الماء عن العدو. لكن الإمام علياً عليه السلام، انطلاقاً من ثوابته الأخلاقية ورؤيته الإنسانية، رفض ذلك وسمح لهم بالشرب. هذا الموقف يثبت أن القيم عند أمير المؤمنين عليه السلام هي “حاكم” وليست “أداة”، فلا يمكن للظروف السياسية أو العسكرية أن تبرر التخلي عن إنسانية الإنسان.

الحرية الفكرية وسعة الصدر

إن أحد أهم علامات الصحة النفسية للمجتمعات هي مساحة الحرية المتاحة لأفرادها، وقدرة السلطة على استيعاب النقد. لقد واجه أمير المؤمنين عليه السلام أشد أنواع المعارضة، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى مقاطعته والاعتراض عليه علناً في المسجد، كالخوارج قبل إشهارهم السيف.

لم يسجل التاريخ أن الإمام عليه السلام اعتقل معارضاً لرأيه، أو قطع عطاء شخص لمجرد اختلافه معه فكرياً. روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في سيرة علي عليه السلام مع الخوارج:  “إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام لَمْ يُقَاتِلْ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ حَتَّى قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ وَبَقَرُوا بَطْنَ امْرَأَتِهِ الْحَامِلِ [8].

هذا الصبر الاستراتيجي يعكس ثقة عالية بالنفس وبالمنهج الحق، ويبتعد كل البعد عن السلوك النرجسي الذي يتسم به الطغاة عادة. إن الشخصية النرجسية لا تحتمل النقد وتعتبر أي مخالفة تهديداً وجودياً لها [9]، بينما نجد علياً عليه السلام يتعامل برحابة صدر، محاولاً الحوار والإقناع حتى اللحظة الأخيرة. هذا السلوك يمنح القارئ درساً في “الأمن النفسي”، فمن يمتلك الحق لا يخشى الكلمة، ومن يمتلك القوة الحقيقية هو من يملك نفسه لا من يفتك بخصومه.

العدالة مع الذات: الخلاص من قلق الدنيا

يعيش الإنسان المعاصر حالة من “القلق الوجودي” والخوف المستمر على الرزق والمستقبل والمكانة الاجتماعية. يقدم لنا أمير المؤمنين عليه السلام علاجاً معرفياً لهذا القلق من خلال إعادة تعريف العلاقة مع الدنيا.

يقول عليه السلام موصياً: “يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَم [10].

إن تحويل “الذات” إلى “ميزان” هو قمة الموضوعية النفسية. يشير علماء النفس إلى أن “الإسقاط” هو حيلة دفاعية ينسب فيها الشخص عيوبه للآخرين [11]، لكن الإمام عليه السلام يدعو لعكس هذه العملية: أن تضع نفسك مكان الآخر، مما يولد شعوراً بالإنصاف والراحة النفسية. عندما يتخلص الإنسان من الأنانية المفرطة ويبدأ في التفكير بمصالح الجماعة كما يفكر بمصلحته، يختفي التنافس المرضي والحسد، وهما المصدران الرئيسيان للتوتر والقلق.

وفي مورد آخر، يعالج الإمام عليه السلام التعلق المرضي بالدنيا الذي يسبب الاكتئاب عند الفقد، بقوله عليه السلام: “مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ” [12]. والزهد هنا ليس الفقر، بل هو التحرر النفسي من سطوة المادة، وهو ما يطلق عليه في علم النفس الإيجابي “الرضا عن الحياة” الذي لا يرتبط بالممتلكات بقدر ارتباطه بالقناعة الداخلية.

خاتمة: علي عليه السلام حاجة إنسانية

إن استحضار شخصية أمير المؤمنين عليه السلام في ذكرى مولده لا ينبغي أن يكون طقساً تقليدياً، بل هو عملية “استشفاء” للوعي. نحن اليوم أحوج ما نكون إلى تلك “المرونة النفسية” التي واجه بها الإمام عليه السلام أعتى الأزمات، وإلى تلك “الصلابة المبدئية” التي لا تتنازل عن الحق مهما غلت التضحيات.

إن تبني منهج علي بن أبي طالب، عليه السلام، في التعامل مع “الآخر” – سواء كان هذا الآخر شريكاً في الحياة، أو جاراً، أو مخالفاً في الرأي – يضمن لنا سلاماً داخلياً ومجتمعاً آمناً. إنها دعوة لأن نكون “عليّي” الهوى والسلوك، فنحب للناس ما نحب لأنفسنا، ونمتلك شجاعة الاعتذار وشجاعة العفو، وشجاعة العدل حتى على أنفسنا. بهذا فقط، نحتفل حقاً بوليد الكعبة، ونجعل من سيرته وقوداً لحياتنا اليومية ومسكنات لأوجاعنا النفسية، فالسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً.

المصادر والمراجع:

 [1] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، مادة عدل.

[2] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، مادة عدل.

[3] راجح، أحمد عزت، أصول علم النفس، ص 145.

[4] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الكتاب 53 عهد الإمام لمالك الأشتر.

[5] عيسى، صبحي، علم النفس الاجتماعي، ص 210.

[6] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الكتاب 53.

[7] الخشاب، مصطفى، علم الاجتماع ومشكلاته، ص 88.

[8] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 5، ص 33.

[9] مراد، يوسف، مبادئ علم النفس ونظرياته، ص 302.

[10] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الكتاب 31  وصيته للحسن عليه السلام.

[11] القوصي، عبد العزيز، أسس الصحة النفسية، ص 255. [12] الشريف الرضي، نهج البلاغة، حكمة 31.

عن المؤلف

السيد هاشم أمير الهاشمي

اترك تعليقا