إننا نرتكب مغالطة كبرى حين نحتفل بمرور السنين؛ فالله – سبحانه وتعالى- جعل آجالنا محددة، وما نحن إلا ساعات وأيام. ولو كان ذلك المحاضر يعلم موعد أجله، لكان قد جعل ذلك العداد “تنازلياً” لا تصاعدياً؛ لأننا ببساطة نأكل من “رأس مالنا” الوحيد
في كل عام، ومع اقتراب ليلة الحادي والثلاثين من كانون الأول، يضج العالم بصخب الاحتفالات. وبينما تنشغل الحشود بزينة الشوارع، ينشغل المهتمون بجدلٍ يتكرر حول “مشروعية” هذا الاحتفال أو “قدسية الأمكنة”، وهو نقاشٌ نحترم ثوابته ونقر بقدسية المكان ولكن هذه المرة نريد نبحث في قدسية الزمان، نريد اليوم ان الغوص في أصل “الموضوع” وجوهره ومحور نقاشنا هو: هل انطواء السنين وفناء العمر مدعاةٌ للفرح والسرور حقاً؟
صدمة المليون دقيقة
في ندوةٍ حضرتُها مؤخراً لأحد الأساتذة، حدث موقفٌ لم يكن ضمن “أجندة” المحاضرة، لكنه كان الدرس الأهم حين أوصل المحاضر حاسوبه بشاشة العرض، وبعد دقائق من بدايته بشرح الموضوع ظهرت شاشة التوقف “Screen Saver” برقمٍ ضخم يتحرك بسرعة “990,000” دقيقة تقريباً. تعجب الحاضرون من هذا “العدّاد” الغريب، فالجميع بدأ يتساءل بهمس، ما هذا الرقم الذي يتزايد بسرعة فائقة، فأوضح الأستاذ بلهجةٍ واثقة: “هذه دقائق حياتي منذ ولادتي وحتى الآن، جعلتُها أمام عيني لأدرك أن الوقت لا ينتظر أحداً، وأنه يزداد شيئاً فشيئاً ليأكل من وجودي”.
شاب في مقتبل العمر، قد أمضى ما يقارب المليون دقيقة! هذا الرقم لم يكن مجرد رقم، بل كان صدمةً توقظ الغافلين. فالسؤال هنا: الوقت “يزيد” في تقدمنا بالعمر، أم أنه “ينقص” من أيامنا المحددة بأعمارنا؟
رأس المال: هل نحتفل بخسارته؟
إننا نرتكب مغالطة كبرى حين نحتفل بمرور السنين؛ فالله – سبحانه وتعالى- جعل آجالنا محددة، وما نحن إلا ساعات وأيام. ولو كان ذلك المحاضر يعلم موعد أجله، لكان قد جعل ذلك العداد “تنازلياً” لا تصاعدياً؛ لأننا ببساطة نأكل من “رأس مالنا” الوحيد.
يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، في وصف هذه السرعة المذهلة: “مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ، وَأَسْرَعَ الأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ”.
وبموجب هذا المفهوم، هل يُعقل أن يحتفل من يخسر في كل دقيقة جزءاً من ثروته؟
إن التاجر الذي يخسر في صفقةٍ مليون دولار، يملأه الهم والحزن، فكيف بنا ونحن نخسر أغلى ما نملك وهو العمر؟
إن أعمارنا هي رأس مالنا الذي ينبغي ألا نرتضي له ثمناً دون الجنة، مصداقاً لقول الإمام علي، عليه السلام: “إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ، فَلاَ تَبِيعُوهَا إِلاَّ بِهَا”.
أعيادنا محطات عبور لا مرور
قد يتبادر إلى الذهن سؤال: “لماذا نحتفل إذن بعيد الفطر أو الأضحى أو الغدير”؟
بتمعنٍ بسيط، سنجد أن هذه الأعياد ليست احتفالاً بـ “مرور الزمن”، بل هي أعياد للتقرّب الى الله.
فعيد الفِطر هو عودةٌ إلى الفِطرة بعد طهارة النفس في شهر المغفرة، إنه احتفال بالنجاح في العبادة، وعيد الأضحى يأتي بعد ذروة القرب في موسم الحج، حيث يعود العبد كمن ولدته أمه، وكذلك عيد الغدير الذي يُعد يوم إتمام النعمة الإلهية وكمال الدين.
هذه الأعياد هي محطات للاقتراب من الجنة، لا مجرد أوراق تُقطع من التقويم؛ هي فرحٌ بقطع المسافة نحو الهدف الأسمى، لا حزنٌ على نقص الرصيد الدنيوي.
خاتمة للتفكّر
بعد كل دقيقة، وساعة، وسنة تمضي، نحن نقترب من خط النهاية. فهل ما زلت ترى في مرور الوقت “عيداً” يدعو للاحتفال الصاخب؟ أم أنه مدعاةٌ للتفكر والحذر ومراجعة النفس؟
رأس السنة الحقيقي هو اليوم الذي تكتشف فيه أنك أصبحت أكثر قرباً من الله، لا اليوم الذي تعلن فيه الساعة أنك خسرت سنةً أخرى من عمرك ولن تعود.
