تربیة و تعلیم

ماذا يفيدنا الزهد في الدنيا؟

هناك قيمة وميزة أخرى تلازم الزاهدين، ألا وهي العدالة، فالزاهد يُنصف الجميع، ولا يتقدم خطوة واحدة باتجاه الظلم، فإذا كان ذا مسؤولية معينة كأن يكون معلّما تربويا، فإنه سوف يؤدي عمله بأفضل ما يكون عليه التعليم والتربية، فيعدل بين طلابه، ويعلمّهم القيم التي تصون حياتهم وسمعتهم وشخصياتهم

الزهد طريقة حياة تضمن للزاهد قدرة كبيرة على رفض السير في الطرق الخاطئة، وتعطيهم مناعة هائلة ضد مغريات الدنيا التي لا تُعَد ولا تُحصى، تلك المغريات التي يجدها الإنسان بين يديه وتحت قدميه، فتمنحه قدرة ذاتية ضد الانحراف، ويكون الإنسان الزاهد ذا سيطرة تامة على شهواته كلها، فلا تتلاعب به شهواته كما تشاء، بل هو الذي يمسك بلجامها ويوجهها حيث يريد هو وليس كما تريد هي، وهذا كله يحصل من خلال الزاهد الحقيقي عند الإنسان.

وينظر الزاهدون إلى المنافع والمغانم والسلطة والمناصب والمال والنفوذ والجاه، بمنظار الزهد، فيحميهم من الوقوع في فخ التسابق نحو السلطة والمال والنفوذ، فإذا أخفق الإنسان في تحصيل الزهد بشكل حقيقي سوف يكون مغترًّا بالدنيا ومولعا بمغرياتها، فيصبح الإيمان والتفكير بالعواقب الدنيوية والأخروية ضعيفا لديه، ولا يفكر إلا بما يفيده الآن حتى لو كان من المحرّمات التي تمنعنا الأحكام الشرعية عن ارتكابها.

ومن أعظم ما يعطيه الزهد لصاحبه إنه قبل أي خطوة يخطوها في حياته يفكر في عواقبها سواء في حياته الحاضرة أو المستقبلية وحتى عواقب الآخرة، فالافتقار إلى الزهد كنمط مهم من أنماط الحياة، يجعل الإنسان فاقدا للتفكير بما يقوم به من أفعال وأعمال وأقوال أيضا، فمن لا يفكر فيما يتلفظ به لن ينجو مما قد يتسبب له كلامه من مشكلات وعواقب.

لهذا وضع الإمام علي، عليه السلام، نصائح ومعانٍ وأفكار كبيرة تخص لسان الإنسان، منها قوله عليه السلام: “زلة اللسان أنكى من إصابة السنان”، أي أشد من ضرب الرماح والأسنّة، وقيل أيضا (مقتلُ الإنسان بين فكّيه)، لهذا يحتاج المرء أن يعي جيدا ما يتلفّظ بها حتى لا يفقد حياته أو تتكالب عليه المشكلات، والزاهدون يعرفون ما يقولون، ويتحاشون قول ما لا يُقال، بل وحتى أعمالهم تخضع لملَكة الزهد التي يتحلّون بها، فزهدهم يحميهم من الانزلاق في الأعمال والأفعال المؤذي، وبالتالي يوفر لهم الحماية من العواقب الآنية والمستقبلية.

كذلك يمتنع الإنسان الزاهد في انتهاز ما لا يحق له انتهازه، فمثلا لا يفكر الزاهد بالبحث عن السلطة ومزاياها، ولا تشغله الدنيا بكل ما تطرحه أمام الإنسان من إغراءات، كالمال الحرام، أو المناصب المغرية الحساسة التي تجلب له المال والنفوذ والجاه، لذلك يكون الزهد كطوق حماية للإنسان يحميه من كل عمل أو فعل أو قول خاطئ، وتكون نفسه مكتفية ومقتنعة بما لديها، لأنها محكومة بزهد صاحبها، حيث يمنعها الزهد عن أي حالة انزلاق نحو المهالك.

وهناك قيمة وميزة أخرى تلازم الزاهدين، ألا وهي العدالة، فالزاهد يُنصف الجميع، ولا يتقدم خطوة واحدة باتجاه الظلم، فإذا كان ذا مسؤولية معينة كأن يكون معلّما تربويا، فإنه سوف يؤدي عمله بأفضل ما يكون عليه التعليم والتربية، فيعدل بين طلابه، ويعلمّهم القيم التي تصون حياتهم وسمعتهم وشخصياتهم، وينطبق هذا على جميع المهن الأخرى، كالطبيب ورجل الدين والمهندس والكاسب وغير ذلك.

لهذا من الأفضل للإنسان أن يسعى بكل ما يستطيع أن يسلك باتجاه الزهد ويربي نفسه على ذلك ويصر على تحصيل الزهد عبر الإصرار والتدريب والتعلّم والرغبة في ذلك، ويواظب نحو هذا الهدف من دون جزع أو ممل، بل عليه أن يصبر كثيرا وهو يسير نحو جعل الزهد جزءا من شخصيته ومن طباعه، وإذا استمر في ذلك بشكل حثيث سوف يكون الزهد ملازما لشخصيته وطباعه وتفكيره وسلوكه، وسوف يكون زاهدا من الزاهدين وفائزا من الفائزين برضون الله تعالى الذي يكن للزاهدين مكانة ومنزلة كبيرة.

وكما نعرف من خلال مطالعتنا لسيرة أهل البيت، عليهم السلام، نجدهم في قمة الزاهد، وأعلى الزاهدين، بدءاً بالرسول محمد، صلى الله عليه وآله، ومن ثم الإمام علي، عليه السلام، الذي قدم دروسا نموذجية في الزهد عبر حياته التي امتلأت بالدروس والعبِر العظيمة لمن يريد أن يسير في خط أئمة أهل البيت الذين أخذو عن آبائهم وأجدادهم من الأنبياء والأئمة عليهم السلام، أخذ الزهد وتسلحوا به، وقدموا فيه دروسا لا تقدَّر بثمن للمسلمين وللبشرية جمعاء، لذا من يسير في خطهم زاهدا، سوغ تكون عاقبته صالحة وسليمة في الدارين الأولى والثانية، دار الزوال (الدنيا)، ودار البقاء (الآخرة).

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا