الأخبار

الكلاب السائبة تحاصر شوارع العراق والحلول العلمية معطلة

الهدى – متابعات ..

في ساعات الصباح الباكر، وقبل أن تستعيد الشوارع العراقية صخبها المعتاد، تتحرك مجموعات من الكلاب السائبة في الأزقة والأحياء السكنية بانتظام مريب.

وهذا المشهد الذي بات مألوفاً، لم يعد مجرد تفصيلة يومية، بل تحول إلى مصدر قلق متزايد مع تكرار حوادث الهجوم التي طالت الأطفال والنساء، واضعةً المجتمع أمام تحدٍّ صحي وأمني يتأرجح بين صيحات الاستغاثة والحلول العنيفة.

قصص من واقع الخوف

ويروي المواطن أبو علي، من أحد أحياء بغداد الشعبية، فقدان الشعور بالأمان، مبيناً أن الكلاب تتجمع قرب مكبات النفايات وتتحرك فجأة نحو المارة، خاصة في أوقات الفجر والمغرب.

فيما تستذكر أم أحمد، وهي موظفة حكومية، لحظات الرعب حين هاجم كلب ابنها ذا العشر سنوات أثناء توجهه للمدرسة، مما أصابه بجروح في ساقه وترك في نفسه أثراً نفسياً عميقاً جعله يخشى الخروج وحيداً حتى اليوم.

داء الكلب.. الموت الذي يسبق العلاج

من الناحية الطبية، يصف الدكتور أحمد هذال (طبيب بيطري) داء الكلب (السعار) بأنه مرض فيروسي قاتل لا يتوفر له علاج فعال بمجرد ظهور الأعراض، وتكون نهاية المصاب الوفاة حتماً. ويؤكد هذال، أن الحل ليس في قتل الكلاب، بل في “التلقيح والتعقيم”.

ويوضح هذال، أن تلقيح 70% إلى 80% من الكلاب كفيل بالسيطرة الكاملة على المرض، مشيراً إلى أن الإجراءات العلمية تبدأ بالإمساك الرحيم، ثم التعقيم لتقليل التكاثر، وصولاً إلى عزل الحالات العدوانية في ملاجئ خاصة.

كما انتقد ظاهرة تخلي المواطنين عن كلابهم المنزلية في الشوارع، محذراً من أن هذه الكلاب “الودودة” تتحول لعدوانية نتيجة سوء المعاملة والجوع.

أمانة بغداد: إبادة 19 ألف كلب خلال عام

على الجانب التنفيذي، كشف المتحدث باسم أمانة بغداد، عدي الجنديل، عن حصيلة ثقيلة للعمليات الميدانية، حيث أعلن عن إبادة 19,386 كلباً سائباً عبر أكثر من 1500 حملة منذ مطلع عام 2025 وحتى نهاية تشرين الثاني. وتتم هذه الحملات بالتنسيق مع وزارة الداخلية لتوفير “رماة مختصين”، وتتبعها إجراءات طمر صحي في مواقع النباعي والنهروان.

في السياق ذاته، أكد المهندس عادل الساعدي (معاون مدير بلدية الغدير) أن الحملات مستمرة بمعدل ثلاثة أيام أسبوعياً، معتمدة على شكاوى المواطنين والتحرك الميداني للحد من المخاطر الصحية والأمنية، معتبراً انتشار الكلاب ظاهرة “غير حضارية” تستوجب الحسم.

تحذيرات من “نتائج عكسية”

إلا أن لغة “الرصاص والإبادة” تواجه انتقادات حادة من باحثين؛ إذ يرى الكاتب والباحث، الفضل أحمد، أن قتل الآلاف من الكلاب سيؤدي لنتائج عكسية خلال سنوات قليلة.

ويوضح أحمد أن هذه الحملات تخلي الساحة للكلاب الأكثر عدوانية والقادمة من المناطق الريفية، كما تحفز القوارض على الانتشار بعد اختفاء المفترس الطبيعي لها.

ويشدد أحمد، على أن أصل المشكلة يكمن في “سوء إدارة النفايات”، فما دام الطعام متوفراً في الحاويات المكشوفة، ستظل الكلاب تتكاثر وتتجمع، داعياً إلى تبني سياسة “التدجين والتلقيح” بدلاً من القتل الذي ينهي السلالات السليمة ويسرع انتشار الأمراض.

الوقاية في الساعات الأولى فقط

وزارة الصحة، وعبر متحدثها سيف البدر، وضعت النقاط على الحروف فيما يخص الجانب العلاجي، مؤكدة توفر اللقاح والمصل في جميع المؤسسات الصحية.

وحذر البدر، من أن “فيروس داء الكلب خطير جداً، ونسبة الوفاة فيه 100% إذا بدأ نشاطه في الجسم”، موضحاً أن الوقاية ممكنة فقط في الساعات الأولى بعد العضة عبر نظام لقاحات دقيق يمتد لأكثر من 20 يوماً.

وأكد البدر، أن مسؤولية مكافحة الكلاب السائبة تقع على عاتق لجان محلية برئاسة المحافظين وعضوية الأمانة والجهات الأمنية والزراعية، بينما يقتصر دور وزارة الصحة على التشخيص والعلاج والتوعية، داعياً المواطنين لعدم إهمال أي “عضة” حتى لو كانت بسيطة.

خلاصة الأزمة

وبين ان تكلفة لقاح الكلب (10-15 ألف دينار سنويًا) وتكلفة علاج الإنسان المصاب التي تشكل عبئاً مالياً كبيراً على الدولة، يبقى الحل الأمثل ضائعاً بين “الرصاص” الذي تطلقه الأمانة وبين “التعقيم والوقاية” الذي ينادي به الأطباء والباحثون، في حين لا يزال المواطن العراقي ينتظر “أزقة آمنة” لا تتربص بها قطعان جائعة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا