الأخبار

المدارس الحكومية تكتظ بالطلبة والمعاهد الخاصة تلتهم ميزانيات العائلات

الهدى – متابعات ..

في مشهد يتكرر مع إشراقة كل عام دراسي في العراق، يبرز صراع من نوع آخر تخوضه العائلات العراقية بعيداً عن أروقة السياسة والأمن؛ صراعٌ يتمثل في تأمين مقعد دراسي لابنائهم في “المعاهد الخصوصية”.

وهذه المعاهد التي لم تعد مجرد ترف تعليمي أو دروس تقوية عابرة، بل تحولت إلى نظام تعليمي موازٍ يلتهم ميزانيات الأسر ويملأ الفراغ الذي خلفته المدرسة الحكومية المثقلة بالأزمات.

واقع مرير

وترسم التربوية، هناء جبار رشيد، صورة قاتمة للبيئة التعليمية داخل المدارس الحكومية، معتبرة أن انتشار الدروس الخصوصية هو “نتيجة مباشرة لمخرجات عملية تعليمية تعاني من الضعف المنهجي والإداري”.

وتوضح رشيد أن الطالب العراقي بات محروماً من استحقاقه التعليمي نتيجة الاكتظاظ المرعب، حيث تصل أعداد الطلبة في بعض الصفوف إلى 70 طالباً، وفي مدارس يتجاوز إجمالي طلبتها الألف نسمة.

وفي ظل هذه الظروف، يجد المعلم نفسه أمام مهمة مستحيلة؛ إذ لا يتجاوز التفاعل الحقيقي في الحصة الواحدة عدداً محدوداً من الطلبة، بينما يغرق الباقون في دوامة عدم الفهم.

وتؤكد رشيد، أن العلة لا تكمن في تقصير المعلم الذي يؤدي واجبه فوق طاقته، بل في سياسة وزارة التربية التي فشلت في معالجة ضعف البنى التحتية، وقصر زمن الحصة، وصعوبة المناهج التي لا تتناسب مع الوقت المتاح.

الدوام الثلاثي

“أبو اجوان”، والد لطالبتين، يروي بمرارة قصة اضطراره للجوء إلى المعاهد الخاصة. ويقول إن نظام “الدوام الثلاثي” في مدرسة بناته جعل من العملية التعليمية مجرد سباق مع الزمن لا يتيح أي فرصة للشرح أو المتابعة.

ويضيف: “لسنا ضد المدرسة الحكومية، لكن عندما تصبح الدراسة سريعة وتفتقر للتركيز، أجد نفسي مضطراً لتحمل أعباء مالية تفوق قدرتي لضمان مستقبل بناتي، خوفاً من ضياع سنوات عمرهن سدى”.

بين الحاجة التعليمية والوجاهة الاجتماعية

من زاوية أخرى، تطل زينب حسين، خريجة القانون التي دفعها غياب التعيينات للعمل في أحد المعاهد، لتقدم قراءة مختلفة.

ترى زينب أن المعهد الخصوصي تحول إلى “عادة اجتماعية” وركيزة نفسية؛ إذ بات الأهالي والطلبة يعتقدون أن النجاح مستحيل دون هذه الدروس، بغض النظر عن مستوى الطالب الفعلي.

وتكشف زينب عن جانب مظلم يتمثل في ممارسات غير قانونية، حيث يلتحق بعض الطلبة بالمعاهد تحت ضغط “تلميحات مبطنة بالرسوب” من قبل مدرسيهم في المدارس الحكومية، مما يخلق حالة من “الإجبار النفسي” والمالي على العائلات، وهو ما تصفه التربوية هناء جبار بأنه سلوك “غير أخلاقي وغير قانوني” يستوجب المحاسبة.

غياب العدالة

المدرسة حنين رضا ترى أن المدرسة الحكومية فقدت دورها التربوي المتكامل وتحولت إلى مجرد “واجب رسمي”، بينما يذهب الطلبة للمعاهد بحثاً عن “التكتيك الامتحاني” وكيفية اجتياز الاختبارات الوزارية بأسلوب التلقين والحفظ.

وتحذر رضا، من أن أخطر ما تفرزه هذه الظاهرة هو “تكريس عدم العدالة التعليمية”؛ فبينما يشتري الميسورون فرص النجاح والتميز لأبنائهم، يُترك الفقراء لمواجهة مصيرهم في صفوف مكتظة ودوام متعثر، مما يوسع الفجوة الطبقية داخل المجتمع التعليمي الواحد.

جذور المشكلة والحل الغائب

تجمع الآراء التربوية على أن محاربة “حيتان الدروس الخصوصية” لا تبدأ بالمنع الأمني أو الملاحقة القانونية فحسب، بل تبدأ من جذور المشكلة في وزارة التربية.

والحل يكمن في بناء مدارس جديدة، وتقليل كثافة الصفوف، وتحسين الوضع المعيشي للمعلم، وتخفيف مركزية الامتحانات التي حولت الطالب إلى مجرد “رقم امتحاني”.

وحتى يتحقق ذلك، ستبقى المعاهد الخصوصية هي “الملاذ المُر” للعائلات العراقية، والبديل الذي يملأ فجوة التعليم في بلد كان يوماً ما منارة للعلم في المنطقة العربية.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا