رأي

قدسية كربلاء: رسالة حُب الى الجميع

إن احترام قدسية أي مكان بالعالم لن ينجح بقرار حكومي، او بوجود شرطي يحذر من مغبة المخالفة، كما في بعض الأماكن بالعالم، فهذا يعني أن نجعل من مدينة الإمام الحسين، عليه السلام، متحفاً كبيراً يتطلب من الزائرين الالتزام بتعليمات خاصة، بقدر ما هي ثقافة وإيمان يستقر في أعماق القلب

الحديث عن قدسية مدينة، مثل مدينة كربلاء، لا يحدد ساحته؛ منصات التواصل الاجتماعي، ولا يؤطره خطاب من جهة واحدة، او حتى أكثر، بقدر ما هو واقع وحقيقة على الأرض المضمّخة بدماء الإمام الحسين، عليه السلام، وأخيه أبي الفضل العباس، وشهداء معركة الطف. من هنا البداية لحكاية لا تتوقف الى يوم القيامة.

لا أحد في داخل مدينة كربلاء وخارجها ينكر فضل الامام الحسين، عليه السلام، في إحياء قيم الحرية، والكرامة الإنسانية، والإصلاح، ولكن عندما تأتي هذه القيم لتنطبق على واقع السلوك والأخلاق في الشارع والبيت وفي كل مكان، نتفاجأ بالامتعاض والتبرّم، رغم أنه، عليه السلام، قدّم صياغة جديدة ورائعة لهذه القيم تجعل من الرجل ليس فقط حُراً أمام النظام السياسي الحاكم، وإنما حراً في نفسه و روحه أيضاً، فلا يكون أسيراً لغريزة الجنس والمال، ولنزعة حب الحياة وحب الذات، كما قدم صياغة جديدة ايضاً للكرامة الإنسانية التي تجعل من المرأة فتاة عالمة وطامحة للأحسن، و أم صانعة للرجال، وايضاً؛ شخصية قيادية تحمل راية الإصلاح لفساد الدولة والمجتمع عندما تتعرض لجور الطغاة وظلمهم، كما كان التجسيد العظيم في شخص أخته السيدة زينب عليهما السلام.

وقبل ان أتحدث عن القدسية في هذا الحيّز، كتبت مراراً عن شخصية الامام الحسين، عليه السلام، بأنه تجسيداً للحياة قبل أن يكون تجسيداً للموت، والدماء، والبكاء، ولعل هذه تكون فلسفة النهضة الحسينية، و سر بقاء أصدائها في نفوس الشيعة بشكل خاص، والمسلمين، وحتى أهل العالم أجمع، فعندما يسود الصلاح والإصلاح في المجتمع، ويكون الانسان حراً و سيداً على نفسه، لا نفسه سيدةٌ عليه، أيّ سعادة تكون له؟!

نعم؛ نذرف الدموع ونستذكر المصاب لنواجه به الظلم والطغيان والجور الذي تسبب في تلك الفجائع والمشاهد المؤلمة، فالبكاء على المظلوم من أجل ان يكرر الظالم ظلمه.

من هنا يكون الحديث عن قدسية أرض كربلاء، بل وحتى قدسية مدن أخرى مثل؛ النجف الأشرف، والكاظمية المقدسة، وسامراء المقدسة، وكل بقعة تضم مراقد الأولياء الصالحين، حديثاً عن الحياة الكريمة، والآمنة من الفوضى، والقلق، والحرمان؛ حياة تحفّز الشباب على التطور والتقدم في المجالات كافة، وبكلمة؛ تكون مدن نموذجية للحياة السعيدة، وليس في هذا ضرباً من الخيال، او المثالية مطلقاً، يكفي مراجعة قيم ومبادئ النهضة الحسينية ونقيمها على أرض الواقع لنجد حجم الخسارة الفادحة التي نعيشها بابتعادنا عن تلكم المبادئ العظيمة.

نحن نتحدث عن سلوك وتصرفات شريحة من الشباب من الجنسين في هذه المدينة المقدسة، ونعترض على حالة الظهور التي نعدها غير ملائمة ولا متطابقة مع مبادئ وقيم صاحب هذه المدينة، ولكن هذه الشريحة الشبابية تطالبنا في الوقت نفسه، بتوفير مساحات خاصة يظهرون فيها طاقاتهم ومواهبهم مثل؛ مجمعات رياضية خاصة للنساء والفتيات، وحتى مسابح خاصة لهنّ، و مراكز للتأهيل والتدريب للشباب على مختلف الحِرف والفنون، تكون أبوابها مفتوحة للجميع وفق سياقات وضوابط إدارية، وهذا من شأنه شد انتباه هذه الشريحة العزيزة على القلوب، الى ما هو مفيد لها وللمجتمع، وعدم قتل الوقت بأعمال تضر ولا تنفع.

إن احترام قدسية أي مكان بالعالم لن ينجح بقرار حكومي، او بوجود شرطي يحذر من مغبة المخالفة، كما في بعض الأماكن بالعالم، فهذا يعني أن نجعل من مدينة الإمام الحسين، عليه السلام، متحفاً كبيراً يتطلب من الزائرين الالتزام بتعليمات خاصة، بقدر ما هي ثقافة وإيمان يستقر في أعماق القلب، فيكون الانسان حسينياً، ليس في الشارع والمدرسة والحديقة والمطعم والمجمع التجاري فقط، وإنما في بيته وبين أفراد أسرته، حيئنذ تكون القدسية واحترام مدينة الامام الحسين في سلوك وتصرفات الجميع، ولو بنسب متفاوتة، وبهذا نقدم نموذجاً رائعاً للضيوف القادمين من داخل وخارج العراق، بأن الحرية الحقيقية والكرامة والإصلاح تمشي على قدمين في كربلاء، كما نجحنا في تجسيد قيمة العطاء بأروع ما يكون خلال زيارة الأربعين، أليس كذلك؟

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا