الهدى – وكالات ..
تتكشف يوماً بعد يوم ملامح الفاجعة الإنسانية في مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، التي تحولت بعد سقوطها بيد “قوات الدعم السريع” إلى ما يشبه “مسرح جريمة ضخمة”.
وبينما تُحكم الميليشيا قبضتها على المدينة، تتوارد تقارير مرعبة عن “تلال من الجثث” ومساعٍ حثيثة لطمس معالم المجازر الجماعية، في ظل صمت دولي وتجاهل لم يسبق له مثيل في الحروب المعاصرة.
إبادة تحت عين “الأقمار الاصطناعية”
وكشفت تحليلات حديثة أجراها محققو جرائم الحرب التابعون للأمم المتحدة، بالاستناد إلى صور الأقمار الاصطناعية، عن أدلة صادمة تشير إلى وجود شبكة من حفر الحرق والدفن الجماعي التي حُفرت حديثاً.
ويؤكد “ناثانيال ريموند”، مدير مختبر ييل للأبحاث الإنسانية، أن المدينة التي كانت تعج بمليون ونصف المليون نسمة باتت “خالية بشكل مخيف”، حيث غطت الأعشاب الأسواق المهجورة، واختفت الماشية تماماً.
ويشير ريموند إلى أن الوضع في الفاشر “يشبه المجازر الجماعية إلى أبعد حد”، موضحاً أن صور الأقمار تظهر عمليات منظمة للتخلص من أعداد هائلة من الجثث عبر تكويمها في حفر ضخمة تمهيداً لحرقها أو طمسها، في محاولة واضحة من قوات الدعم السريع لإتلاف الأدلة الجنائية التي تشير إلى حجم الفظائع المرتكبة.
أرقام مروعة: 60 ألف قتيل و150 ألف مفقود
وفي إحاطة خاصة أمام البرلمان البريطاني، كشفت “سارة شامبيون”، رئيسة لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم، عن أرقام كارثية لم تُعلن رسمياً بعد.
ووفقاً لتقديرات أكاديميين ومختصين، فإن “الحد الأدنى” لعدد القتلى في الفاشر وحدها يُقدر بنحو 60 ألف شخص.
ولا تقف المأساة عند هذا الحد، إذ لا يزال قرابة 150 ألف مواطن من سكان المدينة في عداد المفقودين منذ اجتياحها أواخر تشرين الأول الماضي. ومع استمرار الحصار الذي فرضه الدعم السريع لمدة 500 يوم قبل الاقتحام، تزداد التكهنات تشاؤماً حول مصير هؤلاء، حيث لا توجد أي مؤشرات على مغادرتهم المدينة، ما يثير مخاوف من تصفيتهم جسدياً داخل أزقة الفاشر المحظورة على المنظمات الإنسانية.
الفاشر تحت وطأة المجاعة
ورغم الوعود المتكررة من قيادات الدعم السريع بفتح ممرات آمنة، إلا أن المدينة لا تزال معزولة تماماً عن العالم.
وتقف قوافل المساعدات عاجزة عن الدخول بانتظار ضمانات أمنية ترفض الميليشيا تقديمها. وقد أعلن خبراء دوليون رسمياً أن المدينة تعاني من “المجاعة”، وسط تقارير عن مستويات مذهلة من سوء التغذية تفتك بمن تبقى من السكان.
وفي سياق متصل، جددت منظمة العفو الدولية دعواتها للتحقيق في جرائم حرب استهدفت مخيم “زمزم” للنازحين القريب من المدينة، حيث وثق تقرير جديد استهدافاً ممنهجاً للمدنيين، واحتجاز رهائن، وتدمير المساجد والمدارس، مما يعزز فرضية التطهير العرقي التي اتسمت بها هذه الحرب.
تاريخ طويل من التهميش وانقلاب على الثورة
ولفهم ما يجري، يجب النظر في تاريخين للسودان؛ أحدهما طويل يمتد لعقود من تهميش الأقاليم مثل دارفور وتركيز السلطة بيد فئة محدودة، مما أدى لنشوء ميليشيا “الجنجويد” (النواة الأولى للدعم السريع) التي ارتكبت إبادات جماعية في العقد الأول من القرن الحالي بدعم من النظام السابق.
أما التاريخ القصير، فيبدأ من ثورة 2019 التي أطاحت بعمر البشير. فبعد تحالف مؤقت بين الجيش والدعم السريع للإطاحة بالمدنيين في انقلاب لاحق، تحول الشركاء إلى أعداء لدودين.
واكتشف السودانيون أن بلادهم لا تتسع لقوتين مسلحتين، لتتحول طموحات السلطة إلى حرب وجودية يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي لم يحمل سلاحاً يوماً.
حرب “الوكالة” وخطر التفتيت
وتخضع الحرب في السودان اليوم لشروط “الحرب بالوكالة”، حيث تشير أصابع الاتهام الدولية إلى دور محوري لـ دولة الإمارات العربية المتحدة في ضخ الأموال والسلاح لميليشيا الدعم السريع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في بلاد غنية بالذهب والموارد، رغم نفي “دبي” الرسمي.
ويحذر مراقبون من أن سيطرة الدعم السريع على الفاشر تعزز سيطرتها على غرب البلاد بالكامل، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات “تفتيت السودان” وتقسيمه إلى شطرين (شرقي وغربي).
ومع عجز أي طرف عن حسم الصراع عسكرياً، يظل الملايين من كبار السن والأطفال مشردين في منافٍ مؤلمة، بينما تُنهب البيوت وتُحفر الجدران لاستخراج حتى الأسلاك والأنابيب في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيا.
ويبقى السودان اليوم “الحرب التي لا تُنسى بل يتم تجاهلها”، وسط نقص مزمن في تمويل خطط الاستجابة الإنسانية، وصراع دولي وإقليمي يجعل من دماء السودانيين مجرد “أرقام” في العناوين الإخبارية البعيدة.
