إن إدراج الغيرة ضمن هذه القائمة الذهبية التي تشمل اليقين والصبر والشجاعة والسخاء، يدلل على أنها ركن ركين في بناء الشخصية المؤمنة المتكاملة، فالغيرة هنا قرينة المروءة، وصنو الشجاعة، فلا تكتمل مروءة المرء إلا بغيرته، ولا تصح شجاعته إلا بالذود عن حريمه
مقدمة
تمثل منظومة الأخلاق في الإسلام الحصن المنيع الذي يحفظ للمجتمع تماسكَه وللفرد طهارتَه، وقد أولت الشريعة الإسلامية عناية فائقة بمسألة تحصين الأسرة وصيانة العرض، كونها النواة الأولى لبناء المجتمع الإيماني.
وتأتي “الغيرة” في مقدمة هذه القيم التي تشكل حصناً معنوياً ومادياً يحمي “الحريم” ويذود عن “المحارم”، ولا تقتصر الغيرة في المنظور الديني على كونها انفعالاً نفسياً عابراً، بل هي صفة كمالية لها جذورها في الذات الإلهية، وتجلياتها في مسلك الأنبياء والأوصياء.
وقد تصدى الإمام جعفر بن محمد الصادق، عليه السلام، لبيان حقيقة هذه الصفة، وحدودها، وآثارها المترتبة على وجودها أو فقدانها، وذلك من خلال نصوص روائية محكمة أسست لرؤية شاملة تضع “الغيرة” في موضعها الصحيح بين الإفراط والتفريط، وتربطها بسلامة العقيدة وطهارة الروح. يسعى هذا البحث لاستجلاء معالم الغيرة في مدرسة الإمام الصادق، عليه السلام، من خلال استقراء النصوص الواردة عنه في المصادر المعتبرة.
أولاً: التأصيل العقدي للغيرة (الغيرة صفة إلهية)
ينطلق الإمام الصادق، عليه السلام، في تأسيسه لمفهوم الغيرة من الرؤية التوحيدية، حيث يربط هذه الصفة بالمبدأ الأعلى، وهو الله -جل وعلا-. فالغيرة في أصلها ليست مجرد طباع بشرية، بل هي صفة محبوبة لله تعالى لأنها اشتاقت من صفاته، فقد ورد عنه، عليه السلام قوله: “إنّ اللّهَ تباركَ و تعالى غَيورٌ يُحِبُّ كُلَّ غَيورٍ، و لِغَيرَتِهِ حَرَّمَ الفواحِشَ ظاهِرَها و باطِنَها”(1).
يؤسس هذا النص لقاعدة جوهرية مفادها أن التشريعات والنواهي الإلهية، لا سيما فيما يتعلق بتحريم الزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن، هي انعكاس لغيرة الله تعالى على عباده وإمائة، فالله لا يرضى لعباده الهوان أو التدنس بالرذيلة، وهذه الغيرة الإلهية تقتضي وضع الحدود التي تصون الكرامة الإنسانية، ومن هنا، فإن تحلّي المؤمن بالغيرة هو تخلق بأخلاق الله، وسير على المنهج الذي يحبه الله ويرتضيه لعباده الصالحين.
إن ربط الغيرة بتحريم الفواحش يشير إلى أن الغيور هو الذي يغضب لانتهاك حرمات الله، وليس فقط لانتهاك حظوظ نفسه، فكلما كان العبد أقرب إلى الله، كان أشد غيرة على محارمه وحدوده.
ثانياً: الغيرة من مكارم أخلاق الأنبياء
يضع الإمام الصادق، عليه السلام، الغيرة في مصاف الصفات النخبوية التي اختص الله بها أنبياءه ورسله، وهي جزء لا يتجزأ من منظومة “مكارم الأخلاق”، ففي حديث مفصل يعدد فيه الإمام خصال الكمال، يقول: “إِنَّ اللَّهَ خَصَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ وَ لْيَسْأَلْهُ إِيَّاهَا”. وحين سُئل عن ماهية هذه المكارم، عدّ منها: “الْوَرَعُ وَ الْقَنَاعَةُ… وَ الْغَيْرَةُ… وَ الْمُرُوَّةُ”(2).
لم يكتفِ الإمام الصادق، عليه السلام، بالحث الأخلاقي على الغيرة، بل كشف الستر عن الآثار الغيبية والتحولات الروحية الخطيرة التي تصيب من يتخلى عن هذه الصفة
إن إدراج الغيرة ضمن هذه القائمة الذهبية التي تشمل اليقين والصبر والشجاعة والسخاء، يدلل على أنها ركن ركين في بناء الشخصية المؤمنة المتكاملة، فالغيرة هنا قرينة المروءة، وصنو الشجاعة، فلا تكتمل مروءة المرء إلا بغيرته، ولا تصح شجاعته إلا بالذود عن حريمه، ويوجه الإمام أتباعه إلى أن هذه الصفة، وإن كانت منحة إلهية، إلا أنها قابلة للاكتساب عبر الدعاء والتضرع، مما يفتح باب الأمل لمن يجد في نفسه ضعفاً في هذا الجانب أن يسعى لاستكمال نقصانه باللجوء إلى مسبب الأسباب.
ثالثاً: الآثار الغيبية والروحية لفقدان الغيرة
لم يكتفِ الإمام الصادق، عليه السلام، بالحث الأخلاقي على الغيرة، بل كشف الستر عن الآثار الغيبية والتحولات الروحية الخطيرة التي تصيب من يتخلى عن هذه الصفة، وقد استخدم الإمام لغة تصويرية دقيقة لبيان كيف يمسخ باطن الإنسان إذا رضي بالخنا في أهله.
فقد بيّن، عليه السلام، أن التهاون في الغيرة ليس مجرد خطأ سلوكيا، بل هو انتكاسة في الفطرة وموت للقلب. يقول، عليه السلام: “إذا لم يَغِرِ الرجُلُ فهُو مَنكوسُ القَلبِ”. والقلب المنكوس هو الذي انقلب عن فطرته السليمة، فصار يرى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فلا ينتفع بموعظة ولا يهتدي لسبيل.
وفي تفصيل مرعب لمآلات فقدان الغيرة، يروي الإمام مشهداً غيبياً يوضح تسلط الشياطين على من يفقد هذه الحصانة. فعنه، عليه السلام: “إذا اُغِيرَ الرجُلُ في أهلِهِ أو بَعضِ مَناكِحِهِ مِن مَملوكِهِ فلم يَغَرْ و لم يُغَيِّرْ، بَعَثَ اللّهُ إلَيهِ طائرا يقالُ لَهُ: القَفَندَرُ حتّى يَسقُطَ على عارِضَةِ بابِهِ، ثُمّ يُمهِلَهُ أربَعينَ يوما ثُمّ يَهتِفَ بهِ: إنّ اللّهَ غَيورٌ يُحِبُّ كُلَّ غَيورٍ… ثُمّ يَطيرُ عَنهُ فَيَنزِعَ اللّهُ بعدَ ذلكَ مِنهُ رُوحَ الإيمانِ، و تُسَمِّيَهُ المَلائكةُ: الدَّيُّوثَ”.
يشير هذا النص إلى تدرج العقوبة الإلهية؛ فالله يمهل العبد لعلّه يراجع نفسه وتثور حميته، ولكن الإصرار على التبلد وعدم التغيير يؤدي إلى نتيجة كارثية وهي “نزع روح الإيمان”. وهذا يعني خروج الإنسان من ولاية الله ودخوله في ظلمات الكفر العملي، حتى يصبح موسوماً بلقب “الديوث” في الملأ الأعلى.
وفي رواية أخرى تفصّل عمل هذا الشيطان الموكل بمنزوع الغيرة، يقول عليه السلام: “إنّ شَيطانا يقالُ لَهُ: القَفَندَرُ، إذا ضُرِبَ في مَنزِلِ الرَّجُلِ أربَعينَ صَباحا بالبَربَطِ و دَخَلَ علَيهِ الرِّجالُ، وَضَعَ ذلكَ الشيطانُ كُلَّ عُضوٍ مِنهُ على مِثلِهِ مِن صاحِبِ البيتِ، ثُمّ نَفَخَ فيهِ نَفخَةً فلا يَغارُ بعدَ هذا؛ حتّى تُؤتى نِساؤهُ فلا يَغارُ”. إن هذا التطابق الشيطاني مع جسد الإنسان والنفخ فيه يمثل الاستحواذ الكامل، بحيث يفقد الإنسان آدميته وغيرته، ويصبح مسخاً شيطانياً في صورة إنسان، لا يتحرك فيه عرق الحمية مهما عظمت المصيبة في عرضه.
رابعاً: الغيرة كمعيار لتقييم المرأة وصلاح الأسرة
تتجاوز الغيرة عند الإمام الصادق، عليه السلام، كونها صفة للرجل، لتكون معياراً كاشفاً عن معدن المرأة وصلاحها. فالرجل مأمور باختبار أهله واستثارة غيرتهم لمعرفة مدى تمسكهم به وحرصهم عليه، وهو ما يعكس الحب والوفاء. فعن خالد القلانسي قال: “ذَكَرَ رجُلٌ لأبي عبدِ اللّهِ، عليه السلام، امرأتَهُ فَأحسَنَ علَيها الثَّناءَ، فقالَ لَهُ أبو عبدِ اللّهِ عليه السلام: أغَرْتَها؟ قالَ: لا، قالَ: فَأغِرْها، فَأغارَها فَثَبَتَت، فقالَ لأبي عبدِ اللّهِ عليه السلام: إنّي قد أغَرتُها فَثَبَتَت، فقالَ: هِي كما تَقولُ”.
يبين هذا النص المنهج العملي في التربية الأسرية؛ فالثبات عند الغيرة دليل على رجاحة العقل وصدق المودة، والمرأة التي تثبت عند الامتحان، ولا تخرجها الغيرة إلى معصية الله أو كفران العشير، هي المرأة الصالحة التي يُعتد بها.
وفي سياق الموازنة بين تكاليف الرجال والنساء، يوضح الإمام أن الغيرة هي جهاد المرأة، فكما كتب الله الجهاد على الرجال بذلاً للأنفس والدماء، كتب على النساء الغيرة صبراً واحتساباً. يقول، عليه السلام: “أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى النِّسَاءِ غَيْرَةً وَ كَتَبَ عَلَى الرِّجَالِ جِهَاداً وَ جَعَلَ لِلْمُحْتَسِبَةِ الصَّابِرَةِ مِنْهُنَّ مِنَ الْأَجْرِ مَا جَعَلَ لِلْمُرَابِطِ الْمُهَاجِرِ فِي سَبِيلِ اللَّه”(3). إن ربط غيرة المرأة بالجهاد يعلي من شأن صبرها على ما قد تكره من أمر زوجها (فيما أباحه الشرع له)، ويجعل ثوابها عظيماً يضاهي ثواب المرابطين، وذلك لما في الغيرة من معاناة نفسية تحتاج إلى كبح جماح العاطفة والتسليم لأمر الله.
خامساً: ضوابط الغيرة (بين الواجب والمحرم)
على الرغم من الحث الشديد على الغيرة، إلا أن الإمام الصادق، عليه السلام، يضع حدوداً دقيقة تمنع تحول الغيرة إلى شك مرضي أو وسواس يفسد الحياة، فالغيرة المحمودة هي التي تكون في موضع الريبة، أما الغيرة في غير موضعها فهي مذمومة ومرفوضة. وقد جاءت القاعدة الفاصلة في قوله عليه السلام: “لا غَيرَةَ في الحَلالِ”.
هذه القاعدة تقطع الطريق على الإفراط الذي قد يقع فيه بعض الرجال بالتضييق على أهلهن فيما أحل الله، أو الشك فيهن من غير مبرر شرعي. فالغيرة يجب أن تكون سياجاً للحماية لا سجناً للتعذيب.
وتكتمل المنظومة السلوكية لرب الأسرة عند الإمام الصادق، عليه السلام، بضرورة التوازن بين المعاشرة الطيبة والحزم في التحصين، ففي وصيته الجامعة يقول: “إِنَّ الْمَرْءَ يَحْتَاجُ فِي مَنْزِلِهِ وَ عِيَالِهِ إِلَى ثَلاَثِ خِلاَلٍ يَتَكَلَّفُهَا وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَبْعِهِ ذَلِكَ مُعَاشَرَةٌ جَمِيلَةٌ وَ سَعَةٌ بِتَقْدِيرٍ وَ غَيْرَةٌ بِتَحَصُّن”(4).
إن اقتران “المعاشرة الجميلة” مع “الغيرة بتحصن” يشير إلى المعادلة الصعبة والضرورية: اللين من غير ضعف، والغيرة من غير عنف. فالمطلوب هو “التحصن”، أي اتخاذ الأسباب الوقائية التي تحفظ العيال، وليس مجرد الانفعال الغاضب، وقوله “يتكلفها وإن لم يكن في طبعه” يدل على أن هذه الخصال واجبات سلوكية يجب على المؤمن أن يجاهد نفسه لتحصيلها وممارستها، حتى لو لم تكن متوافقة مع مزاجه الشخصي، حفاظاً على كيان الأسرة وسلامتها الدينية.
خاتمة
يتضح من خلال استعراض النصوص المأثورة عن الإمام الصادق، عليه السلام، أن الغيرة ليست مجرد سلوك اجتماعي تقليدي، بل هي قيمة دينية عليا ترتبط بأصل التوحيد (غيرة الله) وتمتد لتشمل مكارم الأخلاق النبوية. وقد كشفت النصوص عن المخاطر الوجودية لفقدان هذه الصفة، حيث تؤدي إلى انسلاخ روح الإيمان وتسلط الشياطين. كما وضعت الروايات ميزاناً دقيقاً للغيرة يحفظ للمرأة كرامتها، فيجعل صبر المرأة جهاداً، ويجعل غيرة الرجل تحصيناً لا تشكيكاً. إن الالتزام بهذا المنهج الصادقي كفيل ببناء أسرة حصينة ومجتمع طاهر، يقف سداً منيعاً أمام تيارات الانحلال، مستمداً قوته من غيرة الله تبارك وتعالى على حرماته.
تتجاوز الغيرة عند الإمام الصادق، عليه السلام، كونها صفة للرجل، لتكون معياراً كاشفاً عن معدن المرأة وصلاحها. فالرجل مأمور باختبار أهله واستثارة غيرتهم لمعرفة مدى تمسكهم به وحرصهم عليه، وهو ما يعكس الحب والوفاء
______
المصادر:
- الكافي، ج5، ص53
- الكافي، ج2، ص5
- الكافي، ج5، ص53
- تحف العقول، ص32
