الهدى – متابعات ..
يظل المواطن البسيط في العراق هو الحلقة الأضعف والضحية الأولى في كل مرة يلوح فيها شبح العجز المالي أو تضطر الحكومة لإعلان أزمات اقتصادية مرتقبة، حيث يجد نفسه مجبراً على تحمل تبعات قرارات استراتيجية لم يشارك في صنعها لكنه يدفع ثمنها كاملاً من استقراره المعيشي وقدرته الشرائية.
ومع تصاعد الأنباء حول احتمالات رفع أسعار صرف الدولار وزيادة الضرائب وتفعيل الجباية بشكل أوسع لسد العجز في الموازنة المقبلة، تتجدد التساؤلات المريرة حول مفهوم العدالة الاقتصادية ومن ينبغي له فعلاً أن يتحمل كلفة الأخطاء المتراكمة في السياسات المالية والإدارية التي انتهجتها الدولة على مدار سنوات طويلة.
ويكشف واقع الاقتصاد العراقي كونه اقتصاداً ريعياً يعتمد بشكل شبه كلي على إيرادات النفط عن أزمة عميقة، إذ ظل هذا الاقتصاد أسيراً لتقلبات الأسواق العالمية وسوء الإدارة الداخلية في آن واحد.
ففي سنوات الوفرة وتصاعد أسعار النفط نجد الحكومات تتوسع في الإنفاق التشغيلي وتضخيم الرواتب والمخصصات دون التوجه نحو بناء قطاعات إنتاجية حقيقية تضمن تنويع مصادر الدخل، بينما تلجأ تلك الحكومات عند حدوث أي تراجع في الإيرادات إلى أسهل الحلول الإدارية وأكثرها قسوة عبر تحميل المواطن عبء العجز من خلال التلاعب بسعر الصرف أو فرض رسوم جديدة أو التلويح بخفض الرواتب بدلاً من معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة.
ويرى مراقبون أن قرار رفع سعر صرف الدولار لا يمثل مجرد رقم حسابي بل ينعكس كزلزال معيشي يضرب أسعار السلع الغذائية والأدوية ومواد البناء والنقل بشكل مباشر، مما يترك المواطن محدود الدخل الذي يتقاضى راتباً ثابتاً بالدينار عاجزاً عن مواكبة موجات الغلاء المستمرة.
وفي المقابل يرى الكثيرون أن فرض الضرائب والرسوم في بيئة تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة يحول هذه الأدوات من وسائل للإصلاح المالي إلى أعباء إضافية لا مبرر لها، خاصة حينما يطالب المواطن بدفع مبالغ مقابل خدمات غير مستقرة كالكهرباء والماء والتعليم والصحة، مما يعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع ويحول المواطن في نظره الخاص إلى مجرد مصدر لتمويل أخطاء الحكومة.
وفي هذا السياق يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي، عبد الحسن الشمري، أن تحميل الطبقات المسحوقة كلفة الإخفاقات الاقتصادية هو خيار قصير الأمد ومحفوف بالمخاطر على الاستقرار الاجتماعي، مبيناً أن العجز المالي ليس وليد الصدفة بل هو نتيجة حتمية لتراكم سياسات خاطئة تمثلت في الاعتماد المفرط على النفط وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد وتضخم الإنفاق الاستهلاكي على حساب الاستثمار الحقيقي.
ويضيف الشمري أن معالجة هذه الاختلالات يجب أن تبدأ من إصلاح بنية الدولة ومؤسساتها ومكافحة الفساد المستشري الذي تسبب في هدر الأموال العامة عبر مشاريع وهمية وتضخم وظيفي غير مدروس، بدلاً من تعويض تلك الخسائر من جيوب المواطنين الذين لم يكونوا يوماً سبباً في هذا الهدر.
وتقتضي الضرورة اليوم تبني رؤية اقتصادية ترتكز على العدالة الاجتماعية، بحيث تبدأ الدولة بإصلاح نفسها أولاً عبر تقليص الإنفاق غير الضروري ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات السابقة وحماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة من الهزات السعرية، إذ إن استمرار النهج الذي يجعل من المواطن “ممولاً للطوارئ” دون تقديم خدمات حقيقية أو تنويع للاقتصاد سيفضي إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية يصعب احتواؤها، فالعدالة الحقيقية تكمن في توزيع الأعباء بشكل منصف ودعم القطاعات الإنتاجية التي تضمن كرامة العيش للجميع بعيداً عن تقلبات أسواق النفط وقرارات الصرف القاسية.
