الأخبار

لغة الضاد في يومها العالمي تواجه تحديات العولمة الرقمية

الهدى – متابعات ..

في الثامن عشر من كانون الأول من كل عام، يقف العالم وقفة إجلال أمام واحدة من أعرق اللغات الحية وأكثرها ثراءً، حيث تتجدد الاحتفالات باليوم العالمي للغة العربية بوصفها مناسبة ثقافية وإنسانية تعكس العمق الحضاري للغة يتجاوز عدد المتحدثين بها 420 مليون نسمة.

وتعد هذه المناسبة محطة سنوية مضيئة تعود جذورها إلى عام 1973، حين اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها التاريخي المرقم (3190) بإعلان العربية لغة رسمية سادسة في المنظمة الدولية، لتجاور بذلك اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية في أروقة المحافل الأممية.

ويرى أكاديميون ومختصون أن هذا الاحتفاء ليس مجرد طقس سنوي، بل هو استذكار لمكانة اللغة التي استمدت ديمومتها من كونها لغة القرآن الكريم والدين الإسلامي، وهو ما جعلها عصية على الفناء والاندثار.

وفي هذا السياق يشير، الدكتور قصي عبد العباس حسن، عميد كلية التربية الأساسية بالجامعة المستنصرية، إلى أن العربية تتبوأ مكانة متقدمة عالمياً بفضل ثرائها اللغوي وغزارة مفرداتها وقدرتها العالية على التعبير، مما يبرر الدعوات المستمرة لأساتذة اللغة وطلبتها بضرورة صونها وبذل الجهود الكفيلة بتعزيز حضورها، لضمان استمرارها كلغة حية تواكب العصور.

وعلى صعيد الحراك المؤسسي، يؤكد الدكتور سعد سوادي تعبان، رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة المستنصرية، أن المؤسسات التعليمية تعمل بجد على ترسيخ الفعاليات والمهرجانات التي تسعى لتحقيق التكامل الثقافي واللغوي، خاصة في ظل تصاعد مؤشرات تراجع استعمال الفصحى والانجراف نحو العامية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

ويهدف هذا الجهد الأكاديمي إلى منح لغة الشعر والرواية دفعة فاعلة تعزز الاستقرار الثقافي، فيما تمتد هذه الجهود لتشمل المنظمات المدنية مثل “الرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربية” التي يوضح رئيسها الدكتور علي الخالدي أنها باتت تضم اليوم أكثر من عشرين فرعاً ولجنة في دول تمتد من العراق واليمن إلى السنغال والهند وباكستان، وتعمل عبر منصات رقمية ومجلات متخصصة مثل (وهج الضاد) لنشر جماليات اللغة وسحرها وتوسيع نطاق انتشارها عالمياً.

وفي قراءة تحليلية لأثر التكنولوجيا، يرى الدكتور إياد إبراهيم الباوي، أستاذ الأدب الجاهلي، أن دعم العربية يقتضي سياسات تعليمية واعية تبدأ من المرحلة الابتدائية لغرس اللغة في ذهن الطفل كأداة للتفكير والإبداع لا كمادة جامدة للحفظ، محذراً من أن وسائل التواصل الاجتماعي أدت إلى انتشار “الكتابة الهجينة” والأخطاء اللغوية وتطبيعها.

لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن هذه الوسائل لا تمثل خطراً مطلقاً إذا ما تم توظيفها لإنتاج محتوى رقمي راقٍ يجمع بين الأصالة والتجديد، ويجعل من العربية أداة قادرة على التعبير عن المتغيرات الحديثة دون فقدان جوهرها.

ولعل أكثر الجوانب إثارة في الدفاع عن العربية هو ما كشف عنه العلم الحديث من ارتباط وثيق بين اللغة وتكوين الدماغ البشري، حيث يفند الدكتور سماء تركي داخل، أستاذ طرائق التدريس، الاتهامات المغرضة بصعوبة اللغة، معتبراً أن دقة استعمالها تعكس عمليات عقلية عليا.

ويستشهد في ذلك بدراسة أجراها معهد “ماكس بلانك” الألماني أثبتت أن أدمغة الناطقين بالعربية تختلف عن غيرهم، إذ أظهرت صور الأشعة وجود ارتباط قوي ومعقد بين نصفي الدماغ الأيمن والأيسر نتيجة المتطلبات السمعية والدلالية العالية التي تفرضها اللغة العربية، بخلاف لغات أخرى كالألمانية التي تركز نشاطها في النصف الأيسر فقط.

وهذا التأكيد العلمي يثبت أن العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي نظام معرفي عميق يشكل الوعي ويحفز الدماغ على العمل بسرعة أكبر وتعقيد أعمق، مما يجعل الاعتزاز بها واجباً حضارياً يتجاوز البعد العاطفي إلى البعد العلمي والإنساني الشامل.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا