لم تكن “أم مرتضى” قاسية القلب أو فاقدة للوعي بل كانت تبحث بقلق عن أنجح العلاجات الممكنة لابنها الذي يعاني من مرض التهاب الكبد الفيروسي الذي سبب لها متاعب وإرهاصات دفعتها لإيقاف علاجه في أحد المستشفيات المتخصصة واللجوء بدون تفكير عميق إلى أحد المروجين للدواء العشبي عبر منصة “إنستغرام”، حيث صدقت وعوده بشفاء سريع ومضمون عبر خلطات بديلة للدواء، فكانت النتيجة تدهوراً خطيراً في الحالة الصحية لولدها تسبب بكارثة صحية كادت أن تفضي إلى الموت.
وتلك الحالة تتكرر كثيراً في ظل تدفق المعلومات والرسائل المضللة التي تعتمد على الاجتهاد الشخصي والترويج العاطفي بمركبات مجهولة المصدر والمكونات مما يتطلب وقفة جادة للوعي بأهمية الطب الحديث الذي يحقق قفزات نوعية في علاج الحالات الصعبة بعيداً عن أوهام الأعشاب التي قد تقتل بدلاً من أن تشفي.
وفي قراءة تحليلية لهذا الواقع يرى، الدكتور إيثار العبيدي، عميد كلية الإعلام بالجامعة العراقية والباحث في شؤون الإعلام والفكر، أن المعركة اليوم لم تعد بين حرية التعبير والفوضى بل بين الوعي والجهل والمسؤولية والانتهازية.
وأكد العبيدي، أن المناعة الفكرية ليست مجرد حصانة من التأثير بل هي قدرة على التمييز والتحليل والنقد عبر التساؤل الدائم عن مصدر المعلومة ومصلحة المروج لها ودقة أدلته، وهي مسؤولية تضامنية تبدأ من الأسرة التي تربي على التساؤل وتمر بالمدرسة التي يجب أن تتحول إلى ميدان لتدريب العقول على التفكير النقدي وصولاً إلى الجامعات والمؤسسات الدينية والثقافية المطالبة بلعب دور توعوي يحصن الجمهور ضد موجات التضليل الممنهجة.
وعن دور الإعلام التقليدي في زمن المنصات الرقمية، يوضح الدكتور العبيدي، أن قيمة الصوت المهني الموثوق تزداد في زمن الضجيج حيث يظل الإعلام الملتزم بالتحقق والموضوعية هو الملاذ الآمن للمواطن الباحث عن الحقيقة رغم استسلام بعض المؤسسات لمنطق السرعة والعاطفة الذي أفقدها مصداقيتها.
وبين أن دور الإعلام اليوم أصبح أكثر خطورة ويتطلب التثبت والتحقيق العميق وتقديم التحليل المستند إلى الوقائع بعيداً عن اللهاث وراء “الترند” ليكون الحارس الأخير للحقيقة في ساحة تعج بالأوهام.
واختتم الدكتور العبيدي، رؤيته برسالتين واضحتين دعا في أولاهما الجمهور لعدم التحول إلى وقود للتضليل عبر التوقف والتحقق قبل إعادة نشر أي معلومة بينما وجه الثانية لصناع القرار بضرورة بناء استراتيجية وطنية شاملة للوعي الإعلامي لا تعتمد على التشريعات المقيدة للحريات بل على إدخال مادة التربية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج الدراسية منذ المراحل الأولى، مشدداً على أن المناعة الفكرية في العراق لم تعد ترفاً بل ضرورة وجودية لمواجهة دوامة الاستقطاب وحماية الحقيقة التي تظل الضحية الدائمة في حروب التضليل بينما يبقى المواطن الواعي هو الجندي الوحيد القادر على إنقاذها.
