إضاءات تدبریة

هل نسبح الله كما تسبح سائر المخلوقات؟!

إذا كانت الاذكار الثلاثة في تسبيح فاطمة يغنيها من عناء العمل المنزلي، فإنه بالقطع واليقين يغني المؤمنين بالله وبأهل بيته في كل مشكلة يواجهونها في حياتهم

عندما ندخل الى المساجد او الجوامع لأداء الصلاة، نجد في الأماكن المخصصة لتربة الصلاة، مجموعة مسابح متدلية بالجوار، كما نرى البعض يرافقون هذه المسبحة مع التربة في بيوتهم، وفي ترحالهم، فما الحكمة من وجودها؟

يؤكد العلماء والمفسرون أن التسبيح هو تنزيه الله –تعالى- من الشرك والنقص، ويصدر من مخلوقاته –تعالى- بشكل مُقرر سلفاً، وليس عملاً يبادر اليه الانسان، وفي كتابه القيّم: “بناء المجتمع الايماني- بصائر مستوحاة من سورة الحديد”، يشير سماحة المؤلف السيد مرتضى المدرسي الى صيغة الفعل الماضي: {سَبّحّ لله} في سورة  الحديد، بينما جاءت في سورة الجمعة بصيغة المضارع: {يُسبّحُ لله}، بأنه “لعل صيغ فعل التسبيح المختلفة للدلالة على أن تنزيهه –تعالى- أمر مُقرر، أمر الله به عباده من قبل، وألهمه الناس، وأودع دلائله في أحوال ما لا اختيار له؛ فتسبيح الله هو من شأنه، سواء كان مسبّحاً أم لم يكن، فالتسبيح في جميع الأوقات لله –تعالى-“.

وهذا يكشف لنا فلسفة التسبيح بالأساس بأنها تذكر المخلوق بعجزه أمام خالقه الواحد الأحد بقدرته الفائقة، وأنه محتاجٌ الى الله دائماً وأبداً في كل شيء.

بمعنى أن المصلي عندما يأخذ المسبحة ويبدأ بالتسبيح وفق الطريقة المنصوص عليها (34الله اكبر- 33الحمدلله- 33سبحان الله)، وفي عقب أية صلاة يؤديها، فانه يقرّ بعجزه وفقره أمام نفسه وأمام الله –تعالى- وأن كل ما لديه من مال، وأعمال، وعلوم، وممتلكات، كلها من الله، وليس من عنده، فربما يتفاجئ بفقدان واحدة من هذه النعم، او ربما جميعها على حين غفلة في حادث ما، فآثار التسبيح في النفس توفر له السكينة والاطمئنان بأن لن يكون وحيداً، وأن طريقه في الحياة مستمرٌ، وبإمكانه التوكل على الله لاستئناف العمل والتعويض عما فات، مع الايمان بحكمة فقدان أي شيء يمتلكه في هذه الحياة.

كيف يسبح الجماد؟!

هذا هو السؤال المحوري في مسألة التسبيح، فنحن نعرف أن الموجودات في الحياة تنقسم الى ثلاثة اقسام: الانسان والحيوان والجماد، فبعد أن عرفنا تسبيح الانسان، كيف نفهم تسبيح الحيوان، والأهم؛ تسبيح الجماد؟

سماحة السيد المدرسي يبين في مؤلفه: “أن البشر يكتشف يوماً بعد آخر أن للكائنات شعوراً، وشعور بعضها أوضح من بعض الآخر، لكن ما نعتقده نحن المسلمين عندما نتتبع آيات الذكر الحكيم هو أن لكل الكائنات شعوراً يسبحن عبره بحمد ربهنّ، كلٌ بقدره وبلغته”، مع الالتفات الى أن الآية الكريمة استخدمت حرف “مَا”، وهي لغير العاقل، وفق القاعدة اللغوية، وليس “مَن” الخاصة بالعاقل؛ {سبح لله ما في السموات وما في الأرض}، وأن شمول الجماد بالتسبيح هو التأكيد على نقص وعجز الشيء الموجود أمام كمال الله -تعالى-، سواءً كان جماداً او كانئاً حيّاً.

وربما يماري البعض في إمكانية تسبيح الجماد، بيد أن قانون السماء له رأي حاسم في الأمر بأن “الخلق كلهم متساوون تكوينياً في التسبيح لله، وإنّ احداً لا يستطيع ان ينكر وجود شعور ولغة عند كل شيء، فما أوتينا من العلم إلا قليلاً، وجهلنا لا يغير من الواقع شيئاً”، ويكفي العودة الى الروايات عن حياة رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكيف أن الشجر والحجر كان يُسلّم على النبي الأكرم، وهذا أقلّ ما تكون له من الكرامة عند الله، إذ سبقه في ذلك سليمان و داوود: {وسخرنا مع داود الجبال يُسبحن والطير وكنا فاعلين}.

تقصيرنا مع تسبيح الزهراء، عليه السلام

عرفنا أن التسبيح لله مسألة تكوينية مفروغٌ منها، وأنها قديمة بقدم نشوء الخلق، ثم عرفنا بأن هذا التسبيح اكتسى آلية وجمالية مع مضامين روحية عالية ببركة وجود رسول الله، وابنته الصديقة الزهراء، لنكون نحن المسلمين (المؤمنين) من ذوي الحظوة دون سائر الناس والموجودات، بأن نسبح بتسبيح فاطمة الذي علمه إياها رسول الله عندما طلبت خادمة تعينها على عمل البيت، فجاءت الاذكار في هذا التسبيح العظيم، ليقدم لنا النبي الأكرم المقارنة والتلازم بين التسبيح والتنزيه لله، وبين التوكل عليه في جميع شؤون حياتنا التي نشعر فيها نوعاً من الخلل او النقص او الأزمة، ونتصور أننا قادرون على حلّها لوحدنا بما لدينا من علاقات اجتماعية وقدرات مالية وسياسية. فاذا كانت الاذكار الثلاثة في تسبيح فاطمة يغنيها من عناء العمل المنزلي، فانه بالقطع واليقين يغني المؤمنين بالله وبأهل بيته في كل مشكلة يواجهونها في حياتهم

البشر يكتشف يوماً بعد آخر أن للكائنات شعوراً، وشعور بعضها أوضح من بعض الآخر، لكن ما نعتقده نحن المسلمين عندما نتتبع آيات الذكر الحكيم هو أن لكل الكائنات شعوراً يسبحن عبره بحمد ربهنّ

عن المؤلف

أنور عزالدين

اترك تعليقا