الأخبار

أزمة الإنترنت في العراق: سوء التوزيع رغم مشاريع الكابل الضوئي

الهدى – بغداد ..

رغم تسارع التحول الرقمي في العراق واتساع اعتماد المواطنين على الإنترنت في التعليم والعمل والخدمات اليومية، لا تزال البنية التحتية للشبكة عاجزة عن مواكبة هذا النمو، ما يحول أي نشاط رقمي إلى تجربة مرهقة وغير مستقرة.

فبينما تتوجه دول المنطقة إلى بناء شبكات ألياف ضوئية متكاملة، يظل ضعف الإنترنت في العراق تحديًا يوميًا، إذ تظل البنية القديمة والانقطاعات المستمرة وسوء التوزيع عائقًا أمام التعليم والعمل عن بعد، رغم مشاريع حكومية لتحسين الشبكات وتحقيق طفرة رقمية.

جذور الأزمة: شبكات قديمة وتباطؤ في الألياف الضوئية

وعند النظر إلى واقع الإنترنت في العراق، تبدو الفجوة بين التطور الرقمي المتسارع عالميًا وما يجري محليًا أكثر وضوحًا. إذ لا يزال العراق يعتمد، في معظم مناطقه، على شبكة نحاسية قديمة تعود لعقود مضت، وهي بنية تحتية لم تعد قادرة، لا من ناحية السرعة ولا من ناحية الاستقرار، على مواكبة احتياجات المستخدمين اليومية، خصوصًا مع ارتفاع الطلب على التعليم الإلكتروني، والعمل عن بعد.

وقدّم إطلاق مشروع الألياف الضوئية للمنازل (FTTH) في عدد من المحافظات بعض الآمال، لكن التنفيذ يسير ببطء شديد، حيث لم تتجاوز بعض المناطق مرحلة التجارب الأولية، ومناطق أخرى لم يبدأ العمل فيها أصلاً.

وهذا التباطؤ خلق فجوة كبيرة بين الخطاب الحكومي الذي يبشر بطفرة رقمية، والواقع الذي يعيشه المواطنون يوميًا عندما ينهار الاتصال خلال ساعات الذروة أو يتوقف فجأة.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبير الاتصالات عمار العيثاوي، أن “العراق يشهد توسعًا هائلًا في الاستخدام الرقمي، لكن البنية التحتية لم تعد تواكب هذا التحول”.

ويرى العيثاوي أن المشكلة ليست في نقص السعات، بل في توقف الاستثمار الجدّي في تحديث الشبكات، ما جعل المنظومة غير قادرة على استيعاب النمو السريع في عدد المشتركين أو حجم البيانات.

كما يقف تداخل الصلاحيات بين وزارة الاتصالات وهيئة الإعلام والاتصالات والشركات المزوِّدة كواحد من أهم معوقات التطوير، ما يؤدي إلى نتائج مباشرة تلمَس في سوء الاستقرار والجودة.

فوضى التوزيع المحلي وغياب الرقابة

ورغم اعتماد الحكومة على الكابينات الحكومية في محاولة لتحسين الخدمة، تبقى المشكلة الأبرز في نقطة توزيع الإنترنت داخل الأحياء السكنية، حيث يشتري المستخدم العراقي خدمة بسرعة معينة، لكنه لا يحصل عليها فعليًا.

وتنخفض السرعة إلى مستويات متدنية خلال ساعات الذروة، وتتكرر الانقطاعات، ما يجعل تجربة الإنترنت غير مستقرة.

ويقول المهندس عماد هاشم، وهو موزع إنترنت في بغداد: “السعات التي توفرها الدولة جيدة، لكنها تصل للمواطن بشكل مشوّه، معظم الأبراج تشتري خطوطًا جيدة، لكنها تُقسم على أعداد ضخمة من المشتركين، وفي النهاية المواطن يدفع مقابل 20 ميغا ويستلم 4 أو 5 ميغا فقط خلال الذروة”.

ويشير هاشم إلى أن المشكلة ليست تقنية بحتة، بل في إدارة السوق المحلي الذي يفتقر إلى الرقابة، حيث تختلف جودة الخدمة حسب قرارات أصحاب الأبراج.

وهذه الفوضى خلقت فجوة كبيرة بين التحسينات التقنية التي تعمل عليها الحكومة، وبين الواقع الميداني الذي يعيشه المستخدم، إذ تظل الخدمة رهينة مزاج الشركات المحلية.

فجوة واسعة بين العراق والتجارب الدولية

ويستخدم الإنترنت في العراق أكثر من 38 مليون شخص، وفقًا لتقرير منصة DataReportal لعام 2025، وهو رقم ضخم يظهر حجم الاعتماد المتزايد على الشبكة.

ورغم هذا الانتشار، يعاني المستخدمون مشكلات كبيرة تتعلق بضعف التغطية وارتفاع معدلات الانقطاع، ويؤكد تقرير وزارة الاتصالات لعام 2024 أن السبب الرئيس يعود للبنية التحتية القديمة وتلاعب بعض موزعي الخدمة بالسعات.

وفي المقابل، يتجه العالم إلى تقنيات أكثر تقدمًا، أبرزها مشروع ستارلينك الذي يعتمد على آلاف الأقمار الصناعية لتوفير إنترنت عالي السرعة حتى في المناطق النائية، ما يظهر مدى الفارق بين ما يطمح إليه العراق وما ينجزه العالم اليوم، حيث تكمن الفجوة في إدارة الشبكة وتوزيعها ورقابتها.

ولا تقف مخاطر الإنترنت الضعيف عند حدود البطء، بل تمتد إلى تهديد الأمن السيبراني للمؤسسات الحكومية والخاصة.

ويوضح خبير الأمن السيبراني إيهاب عنان، أن ضعف البنية التحتية يجعل أي هجوم إلكتروني—حتى البسيط منه—قادرًا على إحداث أضرار كبيرة. ويضيف أن الأنظمة تعمل على حافة الانقطاع وقلة الاعتمادية، ما يجعل المؤسسات تؤجل التحديثات الأمنية الضرورية أو تعتمد على حلول مؤقتة، ما يوسع نطاق الثغرات ويعرّض البيانات الحساسة للتلاعب أو التسريب.

خطوات حكومية لمواجهة التراكمات وتحدي الرقابة

وتؤكد وزيرة الاتصالات هيام الياسري، أن ضعف الإنترنت في العراق ليس مسألة تقنية عابرة، بل نتيجة تراكمات تمتد لأكثر من عشرين عامًا.

وتشير إلى أن الوزارة بدأت منذ سنوات بتنفيذ مشروع الكابل الضوئي للمنازل، والذي وصل حتى الآن إلى نحو 4.5 ملايين منزل، في خطوة تعد أساسًا لتحسين الخدمات الرقمية في البلاد.

وتوضح الوزيرة أن العمل جارٍ لإيصال الكابل الضوئي إلى كافة مناطق العراق، بهدف تحقيق تغطية شاملة تسمح بإنهاء الاعتماد على الشبكات القديمة، كما تعمل الوزارة على تحديث البنى التحتية الرقمية وتوسيع شبكات الألياف الضوئية وتعزيز الأجواء التنافسية بين مزودي الخدمة.

وترى الياسري أن هذه الخطوات حققت بالفعل نتائج ملموسة في بعض المناطق، لكنها تؤكد أيضًا أن الطريق ما يزال طويلًا، وأن النجاح يعتمد على تكامل الجهود الحكومية مع الرقابة الصارمة على السوق المحلية لضمان وصول الجودة للمستخدم النهائي.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا