أسوة حسنة

الأمومة الناجحة: أمّ البنين عليها السلام انموذجاً

من أرقى ما قدّمته أمّ البنين عليها السلام لأبنائها أنّها ربّتهم على معرفة إمام زمانهم والالتفاف حوله، فكانت تغرس في قلوبهم حقيقة أن الإمام هو ميزان الحق، ومن تركه فقد ضلّ

إن الجنة تحت أقدام الأمهات ليس اعتباطاً، ولا هو حديث عابر، بل هو منزلة كبيرة خص الله بها أماته من النساء اللاتي تحملن دورهن في الحياة وأدن مسؤولياتهن، وقمن بواجبهن، ألا وهو “جهاد المرأة حسن التبعل” ويعني ذلك إدارة الأسرة من خلال خدمة الزوج ورعاية الأبناء وتربيتهم تربية صالحة.

وحينما نتحدّث عن الأمّ الصالحة في الإسلام، فإنّ السيدة فاطمة بنت حزام الكلابية، المعروفة بأمّ البنين عليها السلام، تتقدّم الصفّ في نماذج الأمومة الرسالية. لقد قدّمت للمجتمع الإنساني درسًا خالدًا في كيف تكون الأمّ شريكةً في صناعة الرجال، وحاضنةً للقيم، ومهّدت بضوئها لطريق البطولة والإيثار.

الأمّ الصالحة مصنع القيم

كانت أمّ البنين عليها السلام ترى في الأمومة رسالة قبل أن تكون علاقةً عاطفية. فالأم عندها ليست مجرد مربية أجساد، بل صانعة أرواح. ولذلك انطلقت في تربية أبنائها الأربعة على أسس راسخة من:

التقوى والإيمان بالله، الصدق والوفاء، الشهامة والمروءة، حبّ الحق ونصرة المظلوم والطاعة والولاء لأهل البيت عليهم السلام.

ولذلك لم تكن تربية أمّ البنين مجرد تعليم أخلاقي، بل بناء لشخصية رسالية مجاهدة تتقدّم عند الحاجة وتثبت عند الشدائد.

 التربية على الولاء والوعي

من أرقى ما قدّمته أمّ البنين عليها السلام لأبنائها أنّها ربّتهم على معرفة إمام زمانهم والالتفاف حوله، فكانت تغرس في قلوبهم حقيقة أن الإمام هو ميزان الحق، ومن تركه فقد ضلّ. فكبر أبناؤها وهم يرون في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ليس فقط والدًا بالتربية، بل قائدًا وقدوةً وطريق نجاة.

وفي الحسن والحسين عليهما السلام لم يكونا أخوة فقط، بل سادة وقادة وقدوات وأئمة.

وهذه التربية لم تكن تلقينًا نظريًا، بل كانت تجسيدًا حيًّا في حياتها اليومية:

كانت تخاطب أبناءها بحب الولاء، وتغرس فيهم احترام أهل البيت عليهم السلام، وتربّيهم على الاستعداد الدائم لنصرة الحق.

 إعداد الأبناء لنصرة الإمام

لمّا جاء يوم عاشوراء، ظهرت ثمرة تلك التربية. فقد اندفع العباس وإخوته الثلاثة، أبناء أمّ البنين، إلى ساحة كربلاء وهم:

ثابتو العقيدة، راسخو الولاء،

مستعدّون للتضحية، غير مترددين في نصرة إمامهم الحسين عليه السلام، وهذا لم يكن وليد اللحظة؛ بل حصيلة سنوات من إعداد نفسي وروحي وخلقي قادته أمّ البنين بحكمة ووعي. لقد قدّمت أبناءها الأربعة قرابين للحق دون تردّد، لأنها ربّتهم على أن الشهادة في سبيل إمام الحق شرفٌ لا يُدركه إلا أهل البصائر.

 أمّ البنين… مدرسة من التفاني

جمال نموذجها يتجلّى في مواقفها بعد كربلاء؛ فقد كانت:

إنّ السيدة أمّ البنين عليها السلام ليست مجرّد أمّ لفرسان، بل هي مدرسة في الإيمان والتربية والولاء

تسأل عن الإمام الحسين قبل أبنائها لتؤكد أنّ قيمة الشهادة تُقاس بقدر ما تُحقّق من نصرة للحق، وتزور قبور الشهداء وتبكيهم، لكن بكاءها كان بكاءَ وفاء لا بكاء عجز، وتواسي الضعفاء، وتحمل همّ المكلومين، وتبقى أمًّا للمجتمع كلّه بعد أن فقدت أبناءها، ولذلك صارت مثالًا خالدًا للأمّ الرسالية التي تتقدّم على الزمن، وتبقى قدوةً تتربى عليها الأجيال.

 لماذا هي نموذج؟

وأصبحت أمّ البنين عليها السلام القدوة الحسنة والنموذج الصالح لكل امرأة تريد أن تصبح أماً صالحة وناجحة في تربيتها لأبنائها،

لأنّ أمّ البنين عليها السلام جسدت في شخصيتها ثلاث قيم كبرى:

1. الأمومة الواعية التي لا تكتفي بالعاطفة، بل تضيف إليها العقل والحكمة.

2. الإيمان العميق الذي يجعل التضحية لأجل الحق مصدر فخر لا ألم.

3. الشخصية العقائدية القائمة على الولاء للإمام، والوقوف في وجه الظلم، وتهيئة الأبناء ليكونوا رسلًا للحق أينما وُجد.

إنّ السيدة أمّ البنين عليها السلام ليست مجرّد أمّ لفرسان، بل هي مدرسة في الإيمان والتربية والولاء. صنعت رجالًا، وشيّدت قيمًا، وأسست نموذجًا خالدًا للأم الصالحة التي تقدّم للأمة أبناءها نصرةً للحق، دون أن يهتزّ لها جفن، لأنّها ترى في طريق الحق طريق الخلود. ولهذا تبقى أمّ البنين عليها السلام قدوة لكل أمّ تريد أن تربّي أبناءها على المبادئ والموقف والشجاعة والوفاء.

عن المؤلف

الشيخ حسين الأميري

اترك تعليقا