الأخبار

اطلاق عملية أمنية واسعة في ميسان وسط تزايد السلاح المنفلت والنزاعات العشائرية

الهدى – ميسان ..

لم يكن مساء الخميس عادياً في قضاء الكحلاء بمحافظة ميسان، فبعد هدوء ما بعد الغروب، تحولت الشوارع إلى مسرح لتحركات غير مسبوقة لقوات الجيش، مما أوحى بحدث استثنائي.

وتؤكد الروايات أن سيطرة مفاجئة نُصبت ضمن حملة تفتيش روتينية للقبض على مطلوبين، لكن اقتراب عجلة “بيك أب” بسرعة غير معتادة ورفضها الامتثال لأوامر التوقف، أشعل سلسلة أحداث انتهت باستشهاد جندي وإصابة آخر، لتتبعها عملية أمنية واسعة النطاق لا تزال تداعياتها مستمرة.

ويقول الأهالي إن الاشتباك المسلح الذي أعقب رفض التوقف، أثار حالة من الهلع، حيث ارتطمت إطلاقات الرصاص بجدران المنازل.

ووفقاً لمصدر أمني، فإن المؤشرات الأولية أظهرت أن المسلحين الأربعة كانوا يستعدون لتنفيذ عملية استهداف لأحد أهالي المنطقة، ما دفع القوات لفرض طوق أمني شامل وتعقب المتهم الرابع الذي تمكن من الفرار.

وتعيش ميسان اليوم واقعاً مقلقاً بسبب انتشار السلاح المنفلت، وهو مشهد أثار استنكار العشائر الأصيلة التي تعد هذه السلوكيات طارئة على قيم المجتمع.

تراجع أمني وتجميد لحل النزاعات

ويشير كاظم دواي الساعدي، أحد وجهاء محافظة ميسان، إلى أن المحافظة تشهد تراجعاً ملحوظاً في الوضع الأمني نتيجة تراكمات طويلة من المشكلات والنزاعات العشائرية، مؤكداً أن هذا الانفلات تفاقم بعد غياب الدور الفاعل للجنة حل النزاعات التي كانت ترتبط بقيادة العمليات والشرطة والمحافظة.

وأوضح الساعدي أن تعيين مدير قسم شؤون العشائر الجديد تم دون موافقة المحافظ أو مجلس المحافظة أو غالبية شيوخ العشائر المعتدلين، مما أدى إلى تجميد الكثير من القضايا العشائرية التي كانت تُحل بوتيرة منتظمة.

وأشار إلى أن المحافظة كانت تحل سابقاً ما بين 100 إلى 150 قضية، بينما “لا تُحل أي قضية” اليوم بسبب غياب التنسيق بين قسم شؤون العشائر والقيادات الأمنية والمحافظة.

ودعا الساعدي إلى تشكيل لجنة رفيعة المستوى من وزارة الداخلية لإعادة هيكلة القسم واختيار مدير يحظى بقبول واسع، مشيراً إلى أن القوات الأمنية ليست مقصرة، وأن المسؤولية مشتركة، خصوصاً مع انتشار السلاح المنفلت الذي يفوق قدرة القوات الماسكة للأرض.

كما تطرق إلى أزمة شح المياه التي أثرت سلباً على حياة المواطنين، معرباً عن أمله في أن يكثّف وزير الداخلية جهوده لدعم المحافظة وترسيخ سيادة القانون.

النزاعات العشائرية: جذور عميقة وحلول قانونية

وفي تحليل للوضع، أوضح الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، أن النزاعات العشائرية تشهد تبايناً بين المحافظات، حيث تتصدر ميسان معدلها مقارنة بباقي المحافظات الجنوبية، التي تتمركز فيها زعامات وإمارات العشائر.

وعزا أبو رغيف ارتفاع منسوب النزاعات إلى تمسك العشائر بتقاليدها وأعرافها بشكل صارم، وتصدر قضايا مثل جرائم القتل، النصب والاحتيال، والنزاعات على الأراضي الأسباب المؤدية لهذه الاحتكاكات.

وأشار الخبير الأمني إلى أن القانون ليس ضعيفاً في مواجهة هذه النزاعات، بل يستخدم قوة الدولة، مبيناً أن مجلس القضاء الأعلى صنّف “الدكة العشائرية” ضمن الجرائم المشمولة بالمادة (4) إرهاب نظراً لخطورتها.

وأكد أن وزارة الداخلية نجحت في الحد من هذه الظاهرة، حيث أصبحت الدكات العشائرية في بغداد شبه معدومة، وانخفضت نسبتها في المحافظات الجنوبية بعد استخدام القوة القانونية.

من جانبه، أرجع المحلل السياسي أحمد الهركي، تكرار الحوادث العشائرية إلى غياب الآليات القانونية، مشيراً إلى أن ضعف سلطة القانون يدفع فئات من المجتمع إلى اللجوء للعشيرة للحصول على حقوقها.

وأكد أن الحل الأساسي يكمن في تفعيل الآليات القانونية وجعل القانون المرجع الرئيس لحل الإشكاليات، بالإضافة إلى أهمية التوعية والتثقيف لنبذ العنف.

الداخلية تتابع وتوجيهات عليا لضبط الأمن

بدوره أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، العقيد عباس البهادلي، أن النزاعات العشائرية ما زالت تُسجَّل وتعتمد أساليب “بدائية” تعكس غياب روح التسامح، مشدداً على أن الكثير من المشكلات البسيطة كان يمكن حلّها عبر الحوار المتحضر الذي يغيب في بعض الحالات.

وأكد البهادلي أن الأجهزة الأمنية تفرض سيطرتها وتلاحق المتورطين في جرائم النزاعات، مشيداً بسرعة الاستجابة وردة الفعل المتناسبة مع حجم التجاوزات. وشدد على أن تطبيق القانون هو الأساس، داعياً العشائر والمواطنين إلى الابتعاد عن الممارسات التي تُهدد النسيج الاجتماعي، ومؤكداً أن “هيبة الدولة وسلطة القانون يجب أن تكون الأعلى، ولا سلاح يعلو فوق سلاح الدولة”.

في سياق متصل، أصدر رئيس أركان الجيش، الفريق أول ركن عبد الأمير يار الله، ثلاثة توجيهات مهمة خلال زيارته لميسان بعد اجتماعات مع القيادات الحكومية والأمنية، وإدامة الزخم في عمليات الدعم والتفتيش لتعقب جميع المطلوبين للقضاء، مع تشديد الإجراءات وتفعيل الجهد الاستخباري، واستكمال التحقيق في حادثة استشهاد الجندي وإصابة الآخر، والاستمرار في اعتقال المتهمين المتبقين، واعتماد جهد أمني واستخباري ميداني لمواجهة النزاعات العشائرية والحد من توسعها، ومعالجة النزاعات وفق الأطر القانونية لمنع استخدام السلاح.

النزاعات العشائرية: ظاهرة اجتماعية متوارثة

وأوضح الباحث الاجتماعي الدكتور عبد الكريم خليفة، أن النزاعات العشائرية تُعدّ ظاهرة اجتماعية غالبة، خاصة عندما تضعف السلطة القانونية، مشيراً إلى أن جذورها امتداد لإرث تاريخي كان فيه الانتماء للعشيرة الضمان الأساسي للأمن في غياب الدولة.

ولفت خليفة إلى أن العادات والتقاليد العشائرية تنتقل كـ “مورث اجتماعي”، حيث لعبت العشيرة دوراً محورياً في حل النزاعات عبر آليات مثل “الدية” و”العطوة”.

وأكد أن التوازن بين الأعراف والقانون تحدٍ رئيسي، مشدداً على أن احترام الهوية العشائرية يجب ألا يسمح بتجاوز سلطة الدولة.

واختتم بالقول: “إن إدارة هذه النزاعات ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا العشيرة وحدها، بل عملية مشتركة تتطلب وعياً قانونياً وقيادات حكيمة وثقافة تُعلّي قيمة السلم الأهلي”.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا