جرت العادة بين القادمين من العمرة أو حج بيت الله الحرام، أن يتحفوا أصدقاءهم وأحباءهم بهدايا خاصة من انتاج تلك الديار المقدسة، وأبرزها؛ السواك، فانه يباع في أسواق مكة المكرمة والمدينة المنورة بأشكال وأحجام مختلفة، وبأسعار زهيدة، بيد أن وفرتها و قلّة ثمنها لم يشفع لهذه الاعواد الصغيرة (السواك) أن تتحول الى ثقافة صحية تلازم المؤمنين على نطاق واسع في مجتمعاتنا، رغم التأكيدات الوافرة بفوائدها الجمّة على لسان النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله.
وفي حديث عن رسول الله يبدي فيه تعجبه من تكرار جبرائيل عليه بأن لا ينسى السواك يقول: “مازال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت أن أحفى أو أُدرد”، والحفّ في اللغة؛ المبالغة بالقصّ، و “الدرد”؛ سقوط الاسنان وبقاء أصولها في الفم.
فأي أهمية لهذا السواك! وأية آثار صحية لحركة هذا العود البسيط في فم الانسان!
جاء عن الامام الصادق، عليه السلام: “في السواك اثني عشر خصلة، هو من السنّة، ومطهرة للفمّ، ومجلاة للبصر، ويرضي الرحمن، ويبيض الاسنان، ويذهب بالحفر (صفرة تعلو الاسنان)، ويشدّ اللثة، ويشهي الطعام، ويذهب بالبلغم، ويزيد في الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة”.
وينقل الشيخ الطبرسي في “مكارم الاخلاق” من كتاب “طب الأئمة” عن الامام الرضا، عليه السلام، قال: “السواك يجلو البصر وينبت الشعر ويذهب بالدمعة”.
هذه الفوائد الصحة التي نقرأها في روايتين او أكثر ربما تكون في عشرات الروايات التي ربما لم تصلنا عن هذه العادة الصحية الراقية، وطالما أكد الرسول الأكرم والأئمة المعصومون على جعل هذا العمل سلوكاً يومياً في حياة الانسان، حتى أنه، صلى الله عليه وآله قال ذات مرة: “لولا أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عن وضوء كل صلاة”، لما لهذا العمل من آثار صحية على بدن المصلي، وعلى روحه ايضاً.
هذا ما كان عن الفوائد المادية المباشرة للسواك على الفمّ، أما الفوائد المعنوية، فقد جاء عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: “نظفوا طريق القرآن، قالوا: يارسول الله، وما طريق القرآن؟ قال: افواهكم، قالوا: بماذا؟ قال: بالسواك”، الى جانب أن “السواك مرضاة لله –عزوجل- وسنّة النبي”، ثم أن السواك يُعد من أربع سنن للمرسلين الى جانب الطيب والنساء والختان.
وعن علاقة السواك بالصلاة، جاء عن الامام الباقر، عليه السلام: “صلاة ركعتين بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك”، وعنه، عليه السلام ايضاً: “لا تدعه في كل ثلاثة أيام، ولو أن تمره مرة واحدة”.
أما عن مصدر خشب السواك فقد بين لنا رسول الله أن “نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة، يذهب بالحفر، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي”.
وكلمة أخيرة:
في الزمن الراهن يعتقد البعض أن من مستحدثات العصر؛ آلة المسواك المصنوعة من البلاستك، والتي تتزاحم على شركات عالمية، والى جانبها معجون الاسنان، بماركات عالمية، تعضدها دعايات هائلة بأموال طائلة لترويجها في العالم، حتى صارت من السلوكيات الحسنة في عصر التطور؛ استخدام فرشاة الاسنان قبل النوم، واحياناً بعد الاستيقاظ من النوم، والبعض يجعلها بعد كل وجبة طعام، حرصاً منهم على سلامة الاسنان، وهذا يأتي مدعوماً بتأكيدات أطباء الاسنان عندنا، ليضفي على الموضوع جنبة علمية قاطعة. ولكن!
أليس من الجدير من أطباء الاسنان، وأهل الثقافة الصحية الترويج لهذا العود الخشبي البسيط ليكون السلوك والثقافة الصحية الحقيقية للإنسان؟
لا نقلل من فرشاة الاسنان والمعجون الذي ينساب عليه بألوان واشكال مختلفة، رغم الشبهات حول بعض العناصر الداخلة في صنع المعجون، بيد إن السؤال الجدير: أيهما أقرب الى صحة الانسان والى طبيعته وفطرته؛ العود الخشبي الطبيعي والخالي من أي تدخل كيمياوي او صناعي، أم الفرشاة المصنوعة من خيوط البلاستيك القادمة من مواد أولية مصدرها البتروكيماويات، والمعجون المصنوع من عناصر كيماوية مختلفة بدعوى أنه يحتوي على “الفلورايد”، وما الى ذلك؟ والنتيجة؛ إنكشاف حقيقة المسواك النبوي بعد تغييب طويل، وتوجه بلاد عدة في العالم الإسلامي الى اعتماده لفرش الاسنان، كما يجري في مصر الترويج لمعجون اسنان مستخلص من مواد المسواك الطبيعي، وحتى الفرشاة نفسها، تتوجه تدريجياً الى الشكل الطبيعي والأصيل بدلاً من الفرشاة البلاستيكية.
