في الحقيقة الانبياء لم يأتوا ليقولوا: ان الله موجود. هذا الامر مفروغ منه، إنما جاؤوا لكي يبينوا العلاقة وما يجب على الانسان تجاه هذه الحقيقة (أنه مملوك، وأنه هالك) وما يترتب على هذه الحقيقة من مسؤوليات وواجبات، ويجب على الانسان اداؤها والتأدب حيالها في هذا الكون
قال امير المؤمنين عليه السلام: ” سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فَقَالَ: إِنَّ قَوْلَنَا إِنَّا لِلَّهِ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ وَ قَوْلَنَا وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ. (نهج البلاغة ـ الحكمة:99).
قبل الكلام في هذه الكلمة لابد من تصحيح في فهم الجملة التي تقول: إنا لله وإنا اليه راجعون. فقد وقع التباس في بعض الافهام، وحمّل بعض الفلاسفة الكلمة اراءهم، هنالك من يدعي بوحدة الوجود، اي ان وجود الله هو الذي يسري في كل الموجودات على هذه الارض، فهي جزء من الله، والله كل شيء، وكل شيء هو الله، بعض الفلاسفة يعتقدون هكذا، ويقول: نحن من الله والى الله يعود. ويضربون مثلا بأن شعاع الشمس ونورها هو جزء منها، وحينما تغيب يعود الشعاع الى الشمس مرة أخرى.
وهذا اعتقاد باطل لاشك في ذلك، فالخَلق غير الخالق، والخالق غير الخَلق، ونحن لسنا فقط جزاء من الله عز وجل، بل وأفهامنا وعقولنا قاصرة على ان تستوعب معنى الله عزوجل، فقط نعرف أن الله موجود، ونحن مخلوقون له، فهو ـ تعالى ـ لا يكيّف بكيف، ولا يأيّن بأين، ولا يمكن ان نصف “من وصفه فقد عدّه ومن عده فقد حدّه..”. ما يترتب على هذا الاعتقاد من فساد هو كثير جدا.
“إنا لله وإنا اليه راجعون” اللام للملكية، كما نقول: الدار لزيد. أي ملك لزيد، ولا يصح الدار من زيد او الدار جزء من زيد. اللام هنا معناه الحقيقي والذي يبادر الى الذهن الملكية، لا انه جزء منه.
وفي الحقيقة هذه الكلمة التي قالها أمير المؤمنين تدل على المعنى الصحيح لـ: إنا لله، لا على المعنى الفلسفي، الذي قاله البعض انه جزء من الله ويعود اليه بالموت.
ولهذه الكلمة قصة حين قالها أمير المؤمنين عليه السلام، عن صالح بن أبي حمّاد قال: جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الأشعث بن قيس يعزّيه بأخ له يقال له عبد الرحمن، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إن جزعت فحقّ الرحم أتيت، وإن صبرت فحقّ الله أدّيت، على أنّك إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت محمود، وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مذموم، فقال له الأشعث: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتدري ما تأويلها؟ فقال الأشعث: لا، أنت غاية العلم ومنتهاه، فقال له (عليه السلام): أمّا قولك إنّا لله فإقرار منك بالملك، وأمّا قولك وإنّا إليه راجعون فإقرارٌ منك بالهلاك. من جهة نحن مملوكون لله، و نحن نموت من جهة أخرى.
والسؤال: هل صحيح أننا مملوكون؟
وهل صحيح اننا هالكون؟
لاشك ان اهم قضية بالنسبة الى الانسان ان يعرف موقعه في الكون ومن ثم مصيره بعد الموت، هذه اهم قضية؛ أين أنا؟ هل لي مالك؟
ماذا يجب عليَّ ان اعمل؟
ما هي العلاقة بيني وبين مالكي؟
ما هو المصير؟
قد يمكن ان بعضنا يتغافل عن هذه الاسئلة، لكن الحقيقة لا تتغير بالإنكار، لو انكرت البشرية أنها لن تموت؟ فهل ينفعها إنكارها؟
هل غفلتنا عن الموت تبعده عنّا؟
الاجابة على هذه الاسئلة يتوقف كل شيء بالنسبة للانسان، مصيره، مستقبله، واقعه الفعلي..
الانسان قد يعرف موقعه في دائرة خاصة؛ في العمل، في الاسرة، في محيطه، لكن موقعه في الكون قد يغفل عنه!
ومن ثم ما هو ارتباطنا بأنفسنا، ما هي علاقتي بنفسي؟
هل يحق ان أعملي بنفسي ما يعجبني؟ أنا مالك أم مملوك؟
النقطة الاولى التي تقولها هذه الكلمة ( إنا لله ) أننا مملوكون.. وسنكتفي بأربعة ادلة اننا مملوكون:
الدليل الاول: البشر محكومون بسنن الله، لا حاكمين فيها، وليس باستطاعة البشرية تغيير أصغر سنُة من سُنن الله، مثلا طريقة الولادة، الانسان يولد عن طريق تلاقح الحيمن والبويضة، ومن ثم تبدأ الخلايا بالتكاثر وتنقسم على نفسها، وبعدها يتكوّن هذا الانسان، فهل يمكن تغيير سُنة الولادة؟
حتى ولادة الانسان عبر الانابيب، لم يغير شيئا في هذه السُنّة، إنما البشر كيّف نفسه مع قانون الرحم، لا أنه غيّر سنة الله، لانه تعالى هو الذي خلق الرحم وفيه اجواء خاصة حاكمة لجنين، انابيب الاطفال إنما هو تغيير لظرف وجود الطفل، اي صناعة وعاء مشابهة لما في الرحم، اما الاصل فموجود.
البشرية اليوم لا تستطيع خَلق إنسان من الجماد او الطين او الماء، ولو فعلت ذلك لقلنا ان السنن ليست حاكمة على الانسان، ولن يستطيع البشر فعل ذلك سواء اليوم او بعد ملايين السنوات.
حينما يصل الانسان الى هذه الحقيقة ـ انه مملوك لله ـ تتغير عاداته، واعماله، لانه مخلوق لخالق أوجده لهدف، فنحن مملوكون من جهة، ومخلوقون لهدف من جهة أخرى
الدليل الثاني: حتى في الجانب المعنوي، جانب ارادة الانسان، فالارادة قد تتمزق وتتبخر بدون معرفة الانسان نفسه، “عرفت الله بنقض العزائم وفسخ الهمم”، ارجع الى نفسك، كم من إرادة صممت على شيء، ثم في لحظة تتكسر تلك الارادة، كم مرة عزمتَ على فعل اشياء ثم لم تفعل! لا لان عقبات خارجية منعتك، بل عقبات داخلية؛ إرادتك تغيرت.
الانسان في بداية شبابه لديه الكثير من الطموحات التي يريد تحقيقها، لكن لا يستقر على شيء، وهذا دليل على الانسان محكوم. نحن نؤمن ان قدرات البشر كبيرة، وان الانسان لا اختيار له، ولا حرية له، ولا كفاءة عنده، لكن كل ذلك محكوم بإرادة الله.
الدليل الثالث: ان الانسان لا يختار بدايته ولا نهايته، هل الانسان اختار عائلته؟
هل يمكن في يوم من الأيام ان تختار النطف الرحم الذي ستنمو فيه؟
وهل يمكن أن يختار الانسان موته؟
{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
إذا رجعنا الى ضمائرنا ووجداننا عرفنا ان لنا ربّا ومالكا، وذلك الوجدان حي، وضمير يقض يدلنا اننا مملوكون، والانسان في قرارة نفسه يعرف أنه مملوك لا مالك، قد يقتل الانسان ضميره، ومن ثم لا يستمع إليه فيدعي: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى}.
الدليل الرابع: في قدراتنا محكومون بالحوداث والآفات، فكأس الماء مثلا حدد صانعه فلا يمكن ان يحمل ماء أكثر من حجمه، بالاضافة الى أنه محدود بالآفات والحوادث. أعظم دكتور يكون في يوم من الايام عاجزا أمام أصغر ميكروب. وهذا دليل ان الانسان محكوم وليس حاكما.
ماذا يترتب على أننا مملوكين؟
يترتب على ذلك شيئين:
الامر الاول: ان الذي خلقنا كان يستهدف من واءنا شيئا، الله خلقنا بإرادة خاصة لهدف، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ}. قال أمير المؤمنين عليه السلام: “ما خلق الله سبحانه امرا عبثا فيلهو”. اليوم سكان العالم حوالي 8.119 مليار نسمة، ومن بين هذا العدد الكبير لا يفكر الانسان أنه مخلوق عبث. الانسان في دائرة حين يعمل كموظف فإن واجبه أن يتقيد بقوانين تلك الدائرة، و عليه تأديه ما عليه من مسؤوليات وواجبات، وما دام الانسان مملوكا في هذا الكون فإن عليه واجبات ومسؤوليات.
الامر الثاني : أنه لا حقّ لنا في أن نتصرف فيما نريد، ونعمل ما نشاء. فليس من حق الانسان ان يقطع يده، او يحرق امواله، حتى في الدول التي لا اعتراف بالله فيها كالاتحاد السوفييتي سابقا، كانت هذه الامور ممنوعة. فكما انه لا يحق لنا التصرف في اجسامنا، كذلك في ارواحنا وارواح الاخرين، وفيما يرتبط بغيرنا، الاشجار، والنبات، والهواء. ولا يجوز ان يعطل الانسان قدراته كأن يغمض عينيه، وهل يعذر مثل اذاء وقع في حفرة وانكسرت رجله لانه أغمض عينيه!
حينما يصل الانسان الى هذه الحقيقة ـ انه مملوك لله ـ تتغير عاداته، واعماله، لانه مخلوق لخالق أوجده لهدف، فنحن مملوكون من جهة، ومخلوقون لهدف من جهة أخرى.
في الحقيقة الانبياء لم يأتوا ليقولوا: ان الله موجود. هذا الامر مفروغ منه، إنما جاؤوا لكي يبينوا العلاقة وما يجب على الانسان تجاه هذه الحقيقة (أنه مملوك، وأنه هالك) وما يترتب على هذه الحقيقة من مسؤوليات وواجبات، ويجب على الانسان اداؤها والتأدب حيالها في هذا الكون.
ولا يشك أحد ـ عقليا ـ أنه لا يموت، لكن عمليا نشك أننا ميتون، والهُلك في الرواية لا بمعنى العدم، إنما الموت او الهلاك، ” إنا لله وإنا اليه راجعون” وقد يسأل الانسان: ألسنا الان الى الله وفي محضره؟
الجواب: الله ـ عز وجل ـ اعطى فترة من الزمن تكون فيها حريته، ثم نعود الى وضعٍ لا إرادة للإنسان، في الدنيا قد يصبح الفرد طاغوتا، يعصي الله، ويقتل الناس، لكن يوم القيامة لا إرادة له.
_________
(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
