الأخبار

السلاح المنفلت يُهدد العراق: مجالس عزاء تتحول لاستعراض عنف في ميسان

الهدى – ميسان ..

عادت ظاهرة السلاح المنفلت في العراق لتُلقي بظلالها الثقيلة على المشهد الأمني والاجتماعي، مُسببة إرباكاً واسعاً يسيء لسمعة البلاد دولياً ويشيع ضعفاً لهيبة الدولة.

وقد تجلّى آخر فصول هذه الظاهرة عبر مجالس العزاء في محافظة ميسان الجنوبية، حيث تحولت التقاليد الشعبية إلى استعراض للأسلحة النارية، مما أثار استهجاناً وغضباً شعبياً واسعاً في محافظة تشهد انحداراً أمنياً متصاعداً.

“العراضة” تتحول إلى عرض عسكري

وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً مقاطع فيديو صادمة من أحد مجالس العزاء لشيخ عشيرة في محافظة ميسان (قضاء الكحلاء)، حيث شهد المجلس إطلاق نار كثيف ومفرط من مختلف أنواع الأسلحة.

وهذا الاستخدام المبالغ فيه للسلاح في مناسبة اجتماعية دينية أثار انتقادات لاذعة، خاصة أن محافظة ميسان كانت قد تصدّرت الأخبار نتيجة أحداث أمنية ساخنة متلاحقة.

ويحتفظ المجتمع العشائري في الجنوب بتقاليد مثل «العراضة»، وهي طقس فولكلوري يعني توديع جثمان المتوفى أو مواساة أهله عبر عشائر أخرى، مصحوباً بأهازيج وشعر (هوسات) يُلقيها شعراء محليون يسمون «مهوسجية».

ويرى المهتمون بالشأن الجنوبي أن هذا التقليد اليوم انحرف عن هدفه، حيث قال المتابع للشأن المحلي عماد ماجد إن الكثير من العادات الجنوبية “بدأت تزحف نحو العنف يوماً بعد آخر، ومنها العراضة التي تحولت من طريقة جماعية جميلة لتمثيل العشيرة في تقديم المواساة، إلى عمليات استعراض لأنواع الأسلحة وكثرة العتاد”، معتبراً أن هذا التحول ولّد استهجاناً بسبب عدم احترام القانون والتجاوز على الأعراف القانونية.

غضب ميساني ورفض عشائري

ورغم كون ظاهرة إطلاق النار في التشييع و”العراضة” حالة عامة في أغلب المحافظات الجنوبية كرمز للقوة، فإن الانتقادات الأشد والحازمة لواقعة الكحلاء انطلقت من داخل ميسان نفسها.

فقد أكد الأكاديمي صباح نوري، أن “أبناء ميسان كانوا أوّل من انتقد هذه الظاهرة ورفضها أغلب أبناء المحافظة الذين يجمعون على نبذ العنف، خصوصاً بعد الحوادث المتلاحقة التي شهدتها ميسان”.

وأعرب نوري، عن أسفه لتحول صفة المحافظة من “مدينة المضايف والكرم إلى مدينة المشاكل”، نتيجة أفعال غير مسؤولة تهدد أمنها.

في السياق ذاته، أكد رجل العشائر حميد ناصر، أن هذه الممارسات لا تمثل عموم عشائر ميسان، مشيراً إلى أن أبناء المحافظة كانوا أول من انتقد هذه الحالة بشدة كونها تظهر أثراً سلبياً.

واستدل ناصر، على الموقف الرافض بـ “مطالبة رجال دين القضاء بإنهاء مجلس العزاء، واستجابة ذوي المتوفى لذلك”.

كما تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي تدوينة منسوبة لرجل الدين جاسم الحمراني، يشكر فيها عائلة الفقيد على استجابتها لإنهاء المجلس، مؤكداً أن “هذه الظاهرة ليست حضارية ولا تظهر الوجه الحسن لعشائرنا الكريمة، فضلاً على أنها محرمة شرعاً”.

الانحدار الأمني المتصاعد يفاقم الأزمة

ويرى مراقبون أن ما حصل في مجلس العزاء يمثل حلقة جديدة في سلسلة الانحدار الأمني الذي تشهده ميسان مؤخراً، حيث تزامن إطلاق النار الكثيف مع تصاعد أعمال العنف والقتل.

وأوضح محمد سلمان، أن الحادثة تزامنت مع تزايد النقاش حول الوضع الأمني، خصوصاً بعد حوادث مأساوية متلاحقة، منها مقتل مدير كهرباء ناحية السلام، ومقتل شخصين في ناحية العزير نتيجة سقوط سلاح خلال تشييع، ووقوع سبعة ضحايا وجرحى في حادثة قضاء علي الغربي نتيجة خلاف عشائري، مما ولد حالة امتعاض كبيرة تجاه الوضع الأمني.

وإن تفاقم الوضع الأمني في ميسان يُعد إحدى أبرز المحطات بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، حيث أعاد العنف العشائري المحافظة إلى مربع عدم الاستقرار، وربما يتكرر مستقبلاً نتيجة فشل عمليات حصر السلاح بيد الدولة واستمرار النزاعات العشائرية.

تحرك حكومي وعشائري لمواجهة الظاهرة

وحظي تدهور الوضع الأمني في ميسان باهتمام صحافي واسع، مما استدعى تحركاً على المستويين الحكومي والعشائري، حيث سبق الحادثة إجراءات حكومية تمثلت في ترؤس محافظ ميسان اجتماعاً أمنياً طارئاً في قضاء الكحلاء.

وقد وجه المحافظ بتنفيذ خطة أمنية عاجلة لضبط الأمن والاستقرار، ومحاسبة المخالفين بما في ذلك مطلقي العيارات النارية.

وأكد بيان المكتب الإعلامي للمحافظ على “ضرورة التصدي بحزم لمثيري النزاعات العشائرية، ومصادرة الأسلحة غير المرخصة، والقضاء على المظاهر المسلحة في المناسبات العامة، وفرض هيبة الدولة بواسطة تطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق المخالفين”.

وجاء الموقف الحازم أيضاً من أبناء المحافظة أنفسهم وشيوخ العشائر الذين أعلنوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطعتهم جميع المناسبات التي يستخدم فيها السلاح أو تمارس خلالها مظاهر الاستعراض، حفاظاً على سلامة المواطنين واحتراماً لحرمة المتوفى.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا