الهدى – متابعات ..
أثار التدفق المالي الكبير الذي تمنحه منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها “تيك توك”، لصُنّاع المحتوى – بغض النظر عن مضمونه – جدلاً واسعاً وتساؤلات حول دور هذا الدعم في تفشي “المحتوى الهابط” المُخل بالآداب والأعراف الاجتماعية، مُقدّماً الاستسهال على حساب الإفادة.
ويأتي هذا في الوقت الذي تبحث فيه الدولة عن آليات لردع هذا المحتوى، سواء عبر العقوبات القضائية أو التفكير في تطبيق نظام ضريبي متقدم على الأرباح الرقمية.
الإغراء المالي يرفع أسهم الابتذال
وكشف التحقيق أن “برنامج المبدعين” في “تيك توك” وأنظمة الهدايا (مثل “الأسد” الذي يتحول إلى مئات الدولارات)، قد حوّل هدف بعض صُنّاع المحتوى إلى تحقيق الأرباح بأي ثمن، حتى لو وصل إلى حد الابتذال.
وفي مفارقة لافتة، وبينما يتباهى البعض بحصوله على مبالغ طائلة يومياً أو في جولة بث واحدة رغم محتواه غير الأخلاقي، تُظهر نماذج إيجابية مثل الأميركية “كات نورتون” التي حققت 100 ألف دولار في يوم واحد بفضل فيديوهات تعليم برنامج “إكسل”، إمكانية الاستثمار الإيجابي للمنصة.
وقد أدى سوء استخدام البعض لهذه المنصة إلى ملاحقتهم من قبل لجنة محاربة المحتوى الهابط وفرض عقوبات قضائية عليهم. إلا أن الأرباح الطائلة التي يجنيها الصنّاع دفعت دولاً أخرى، مثل مصر، إلى انتهاج طريقة مختلفة لمواجهة هذا التحدي عبر فرض الضرائب تدرّ دخلاً على الدولة.
هل تكفي العقوبة الرادعة؟
ويطرح التحقيق تساؤلاً جوهرياً حول فعالية العقوبة القضائية المقررة بحق أصحاب “المحتوى الهابط”، وهل فترة السجن، التي قد تصل إلى ثلاثة أشهر، كافية لردعهم دون برنامج تأهيلي لما بعد العقوبة.
يرى الكاتب والإعلامي ناصر طه، أن حكم السجن القصير “إجراء شكلي قصير الأثر” قد لا يحل المشكلة، بل قد يحوّل المُدانين إلى “أبطال مظلومين” في نظر متابعيهم، مؤكداً أن “ثمن الشهرة أهم كثيراً من ثمن العقوبة”.
وقد شدد طه على ضرورة أن يرتبط أي حكم في قضايا المحتوى الهابط بـ برنامج إلزامي لإعادة التأهيل والتوعية الرقمية يشمل دورات في أخلاقيات النشر والقانون، والتدريب على صناعة محتوى توعوي بديل، لتحويل منظومة الردع من عقابية إلى مشروع تعديل سلوك.
من جانبه، أكد العقيد فريد السوداني أن وزارة الداخلية هي جهة تنفيذية وأن القضاء هو من يحدد الحكم، مشيراً إلى أن دور الوزارة حالياً يتركز في التوجيه التثقيفي والتوعوي والإرشادي في المدارس والكليات للحد من صناعة المحتوى السلبي.
مشروع “الضريبة الرقمية”
وفي سياق البحث عن حلول، برزت فكرة تطبيق نظام ضريبي متقدم على أرباح صُنّاع المحتوى كأداة للمواجهة والحد من إسفاف “المحتوى الهابط” وكرافد مالي للدولة.
وصرّح المستشار والخبير المالي مظهر محمد صالح، بأن العراق لم يفرض بعد نظاماً شاملاً لـ “ضريبة الخدمات الرقمية” المعمول بها في بعض الدول، لكنه يسير في “طريق إصلاح ضريبي رقمي دقيق” عبر تفعيل الجباية الإلكترونية وتنظيم التجارة الإلكترونية.
وأشار إلى توجه نحو وضع ضريبة على صُنّاع المحتوى (الأفراد/المؤثرين) وليس على الشركات الرقمية (مثل تيك توك)، تُفرض عموماً بنحو 3 بالمئة من الربح الصافي المتحقق عالمياً.
وقد قدم الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الصفار، رؤية اقتصادية تفصيلية، حيث اقترح فرض ضريبة منخفضة على المحتوى النافع والهادف (كالتربوي والصحي) لتشجيعه، بينما تُفرض ضريبة مرتفعة على المحتويات المسيئة والهابطة للحد منها كـ “مانع لصنع هكذا محتويات مخلة”.
وأشار الصفار إلى أن النظام الضريبي في العراق يحتاج إلى إعادة هيكلة وتحديث، وأن قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 قديم جداً، وأن الأوان قد حان لتشريع قوانين جديدة تواكب التطورات التكنولوجية.
إصلاح السلوك قبل العقاب
ووقفت الأكاديمية والإعلامية الدكتورة ليلى الدليمي، مع فكرة إصلاح المحتوى لا مجرد معاقبة صاحبه، مطالبة بـ برامج إلزامية في التأهيل الإعلامي وأخلاقيات النشر.
ورأت أن الحل الحقيقي يبدأ من تعزيز التربية الإعلامية والثقافة الرقمية في المدارس والجامعات، ودعم صُنّاع المحتوى ذي القيمة ليكونوا البديل المتاح.
وأكدت أن فرض الضرائب ليس حلاً، بل قد يدفع صُنّاع المحتوى الهابط لزيادة التفاهة لتعويض ما تأخذه الدولة منهم.
وشددت الدليمي على ضرورة تقييد المحتوى عبر تشريعات واضحة، ولجان مراقبة مهنية شفافة، والتعاون مع المنصات الرقمية لحجب المحتوى الخادش دون المساس بحرية التعبير.
