الهدى – بغداد ..
يواجه آلاف من ذوي شهداء وضحايا الإرهاب في العراق مصيراً مالياً مجهولاً وشعوراً متزايداً بالخيبة والغضب مع قرب انتهاء المدة القانونية لصرف رواتبهم المقررة لمدة عشر سنوات اعتباراً من الثامن من شهر كانون الأول المقبل.
ويأتي هذا التطور في ظل تعثر مجلس النواب بتمرير التعديلات التشريعية العاجلة اللازمة لمنع المساس بحقوق هذه العائلات التي دفعت أغلى الأثمان في مواجهة الإرهاب، ما كشف عن فجوة صارخة بين النصوص القانونية والواقع التنفيذي ودق ناقوس الخطر إزاء تفاقم معاناتهم المعيشية.
أسر الضحايا: لا نعرف كيف نعيش بعد القطع
وعبرت أسر الشهداء والضحايا عن امتعاضها الشديد وقلقها البالغ إزاء قرار إيقاف رواتبها، مؤكدة أن هذا الاستحقاق يمثل شريان الحياة الوحيد لهم.
وتروي أم علي، وهي والدة أحد ضحايا الإرهاب معضلتها بصوت يرتجف قائلة “لا أعرف كيف أؤمن احتياجاتي بعد قطع الراتب”، وتؤكد أن “القانون معنا لكن التنفيذ غائب كل شيء سيتوقف ونحن الذين ندفع الثمن”.
وهذه القصة تكرر نفسها لدى آلاف الأسر العراقية حيث ستنقطع الاستحقاقات التقاعدية والمالية الخاصة بضحايا الإرهاب بعد الثامن من كانون الأول.
ويشير حسين صالح الذي فقد والده في تفجير إرهابي إلى أن محاولاتهم لمراجعة هيئة التقاعد لم تسفر عن حلول حيث أخبروا بأن الأمر مرتبط بالقرار القضائي.
أما نغم محمد، التي فقدت شقيقها فلفتت إلى أن الراتب يغطي علاج والدتها واحتياجات البيت الأساسية، مؤكدة أنهم لن يستطيعوا دفع أجور الكهرباء والدواء الشهر المقبل مشددة “القانون يقول حقنا لكن التطبيق غائب”.
الواقع القانوني والفراغ التشريعي خلل في التطبيق لا النص
وعلى الرغم من أن القانون العراقي يمنح ضحايا الإرهاب حق الحصول على رواتب ومخصصات مالية لضمان استقرارهم المعيشي إلا أن الواقع الميداني يختلف بشكل صارخ.
وكشف الخبير القانوني الدكتور سعد البخاتي، عن وجود ثغرة تطبيقية تتسبب في إيقاف الرواتب التقاعدية المخصصة لذوي الشهداء والمصابين، مؤكداً أن قانون تعويض المتضررين من العمليات الإرهابية رقم عشرين لسنة ألفين وتسعة وتعديلاته يمنح ذوي الشهيد والمصاب راتباً تقاعدياً لمدة عشر سنوات كاملة.
وأوضح البخاتي، أن الإشكالية لا تتعلق بخلل في القانون بل بسوء تطبيق النصوص، مشيراً إلى عدة حلول عملية لإنهاء هذا الخلل تتضمن.
ودعا الى إصدار تعليمات واضحة وملزمة من هيئة التقاعد ووزارة المالية لضمان استمرار الصرف طوال المدة القانونية أتمتة معاملات الإحالة للتقاعد، وربط لجان التعويض مباشرة بهيئة التقاعد لتسريع الإجراءات ومنع الازدواجية.
كما طالب بإجراء تعديل تشريعي محدود يزيل أي تضارب محتمل بين قانون العشرين وقانون التقاعد الموحد رقم تسعة لسنة ألفين وأربعة عشر للتأكيد على أولوية حقوق ضحايا الإرهاب، و إنشاء نظام دفع مؤقت يكفل عدم توقف الرواتب خلال فترات التدقيق الإداري وتسريع نظر الطعون أمام محكمة القضاء الإداري ضد قرارات قطع الرواتب باعتبارها مخالفة صريحة للقانون.
الاستحقاق القانوني وتلكؤ مجلس النواب
الى ذلك، أكد الدكتور ضياء الجابري، مدير مديرية الاعلام والعلاقات العامة لمؤسسة الشهداء، أن القانون ينص على استحقاق ذوي الشهداء من ضحايا الإرهاب زوجة الشهيد أولاده ووالديه لراتب تقاعدي لمدة عشر سنوات، مشيراً إلى أن الصرف بدأ من عام ألفين وستة لمن استشهدوا قبل ذلك التاريخ مع إهمال السنوات التي سبقتها والرواتب المتراكمة خلافاً لما يتمتع به المستفيدون من شريحة النظام السابق وشريحة الحشد الشعبي.
وكشف الجابري، أن المؤسسة خاطبت مجلس النواب بشأن تمديد رواتب شهداء الإرهاب ومساواتهم بأقرانهم، مؤكداً أن صلاحية التمديد هي بيد السلطة التشريعية.
وبين أن القانون “عُرض في جلسة أولى قُرئت فيها مسودته قراءة أولى” ولكن الجلسة الثانية لإقراره تأخرت بشكل كبير ما أدى إلى استمرار حالة التعطيل
وأضاف الجابري أن المؤسسة استجابت لتظاهرة ذوي الشهداء وحملت مطالبهم مجدداً إلى مجلس النواب وقُدمت للنائب الأول محسن المندلاوي لكن الجلسة الخاصة بتشريع القانون لم تُعقد مجدداً ما يعكس استمرار التعطيل.
ورغم هذا التعليق ختم الجابري بالتأكيد لأسر شهداء الإرهاب أن راتب التقاعد سيستمر مدى الحياة لأم الشهيد أو زوجته أو والده غير الموظف بما يضمن عدم انقطاع مستحقاتهم عن هذه الفئة.
جهود الإصلاح المتوقفة قرار قضائي يجمّد التشريع
بدوره، أكد عضو لجنة الشهداء وضحايا الإرهاب النائب محمد الزيادي، أن ذوي ضحايا الإرهاب يشعرون بالظلم نتيجة التأخير في إنصافهم من الجهات التنفيذية والتشريعية.
وأرجع السبب الرئيسي لتعطيل تمرير التعديلات إلى انتهاء المدة القانونية الممنوحة لمجلس النواب وإلى قرار المحكمة الاتحادية الذي أوقف عمل المجلس ما حال دون عقد الجلسة المخصصة لتعديل القانون.
من جانبه أوضح عضو لجنة الشهداء النائب حسين نعمة البطاط أن التعديل المقترح على قانون عشرين لسنة ألفين وتسعة يتضمن تمديد مدة الجمع بين راتبين تقاعديين إلى خمس وعشرين سنة بدلاً من عشر سنوات أسوة ببقية فئات الشهداء.
وشمول منتسبي القوات الأمنية الذين يتوفون أثناء الخدمة باعتبارهم شهداء مشمولين بجميع الامتيازات معالجة قضية ضحايا القصف الأمريكي عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين وشمولهم بالتعويضات.
وشدد البطاط على أن التصويت على التعديل يمثل خطوة إنسانية وتشريعية مهمة لإنهاء التفاوت بين فئات الشهداء وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلا أن الزيادي أعرب عن خيبة أمله مؤكداً أن الإجراءات أبطأ مما ينبغي وأن القرار القضائي حال دون إحراز أي تقدم في مساعي تعديل القانون
وفي ظل هذا التأرجح بين الحاجة الملحة للتعديل والتعطيل التشريعي يبقى مصير آلاف الأسر معلقاً ما يستوجب تدخلاً عاجلاً من السلطات العليا لإنهاء حالة الفراغ القانوني وإنصاف من ضحوا بأغلى ما يملكون من أجل أمن البلاد.
