الهدى – متابعات ..
في ظل الانفجار الهائل في تقنيات الاتصالات والتصوير والنشر، تحولت حياة الأفراد في العراق إلى فضاء رقمي مفتوح يمكن اختراقه بسهولة تامة، وتحولت الخصوصية الفردية إلى مادة للاستهلاك اليومي على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا التحول السريع، الذي أفرز موجة غير مسبوقة من “التطفل الرقمي” والإساءة الإلكترونية، يقابله صمت تشريعي ونصوص قانونية متناثرة وقديمة تعود إلى عقود مضت، ما جعلها عاجزة تماماً عن حماية الأفراد وردع المخالفين.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه حوادث انتهاك السمعة والحياة الخاصة، ما يزال البرلمان العراقي عاجزاً منذ سنوات عن إقرار قانون متكامل للجرائم الإلكترونية، مما يفاقم المشكلة ويشجع على التمادي في انتهاك خصوصيات الناس.
التصوير العشوائي يحوّل المناسبات إلى كوابيس عائلية
وتجسّد حالة فيروز عقيل، خريجة كلية الفنون الجميلة، نموذجاً متكرراً لهذه الأزمة. فقد واجهت فيروز مشكلات عائلية قاسية بعدما قام أحد المارة بتصوير حفل تخرج زميلاتها ونشره على مواقع التواصل دون إذن.
تقول فيروز، إن الفيديو انتشر بشكل مخيف، وامتلأت التعليقات بالسب والقذف والتنمر، وعلى الرغم من محاولاتها العديدة للتواصل مع الصفحات المعنية لحذف الفيديو، إلا أنها لم تنجح في ذلك.
حادثة فيروز لم تعد فردية، بل أصبحت سيناريو مألوفاً يتكرر في حفلات التخرج والأعراس والمناسبات العامة، الأمر الذي دفع العديد من قاعات الأعراس إلى اتخاذ إجراءات وقائية صارمة، حيث عمدت إلى منع إدخال الهواتف المحمولة بشكل كامل في الحفلات النسائية خشية التصوير والنشر غير المشروعين.
وعلى صعيد المؤسسات الأكاديمية، أعلنت جامعة الفراهيدي في بغداد قبل يومين عن خطوة لافتة تمثلت في فصل وترقين قيد مجموعة من الطلبة بعد تصوير ونشر محتوى مسيء يخالف التعليمات الجامعية.
وأكدت رئاسة الجامعة في بيانها أن “أي سلوك يخرج عن القيم والأعراف الأكاديمية لن يكون محل تساهل”، ورغم أهمية هذه الإجراءات الإدارية، إلا أن خبراء القانون والاجتماع يؤكدون أنها لا تعدو كونها حلولاً آنية ومؤقتة في ظل الغياب الكامل لقانون شامل يضبط السلوك الرقمي.
قانون 1969 أمام تحديات الهواتف الذكية
ويرى المواطن حامد خليل، أن جوهر المشكلة يكمن في “معادلة غير عادلة” يواجهها الضحايا، موضحاً أن ضعف القانون وتعقيد الإجراءات القانونية يجعلان العقوبة غير متناسبة على الإطلاق مع حجم الجهد المطلوب للوصول إلى الجاني.
ويضيف خليل أن “العقوبة قد تكون سنة واحدة، لكن ملاحقة الشخص الذي نشر التصوير تستغرق أشهر طويلة، وتحتاج مبالغ مالية وجهداً كبيراً وتردداً مستمراً على المحاكم”، مبيناً أن هذا الوضع “شجع العديد من المتطفلين على التمادي في انتهاك خصوصيات الناس”.
في المقابل، يوضح المحامي علي التميمي، في حديث له، أن المادة 438 من قانون العقوبات العراقي الحالي، ورغم قدمها، ما تزال تعاقب بالحبس سنة أو بالغرامة كل من ينشر صوراً أو معلومات تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد حتى لو كانت تلك المعلومات أو الصور صحيحة.
ويتابع التميمي أن هذا القانون يحمي أيضاً نشر صور الأطفال، حيث يحق للأب أو الأم إقامة الدعوى على من يقوم بنشرها دون إذن، مؤكداً أن القانون ذاته يعاقب على مسألة الاطلاع غير المشروع على الرسائل أو المكالمات بنفس العقوبة.
لكن التميمي، يشير إلى أن “القوانين العراقية في مجال حماية الخصوصية لم تعد كافية لمواكبة التطور التكنولوجي”، موضحاً أن العراق “ما زال يعتمد على قانون العقوبات الصادر في العام 1969، وهو قانون وُضِع في زمن لم يكن فيه أي وجود للهواتف الذكية أو وسائل التواصل الاجتماعي”.
ووفقاً للخبير القانوني، فإن العراق أصبح بحاجة ماسة وضرورية إلى تشريع قانون الحماية من الجرائم الإلكترونية، وهو قانون سبق أن أقرته 13 دولة عربية، من بينها فلسطين.
ويختتم التميمي حديثه بالتأكيد على أنه “رغم هذا النقص في التشريعات الحديثة، إلا أن المحاكم في العراق وإقليم كوردستان تستقبل يومياً العديد من الدعاوى المتعلقة بانتهاك الخصوصية واستخدام التكنولوجيا بطريقة مسيئة”.
العشائر والـ “ترندات” تشوه مفهوم الخصوصية
في سياق اجتماعي معقد، يلجأ بعض المواطنين حالياً إلى استخدام التصوير كوسيلة لحماية أنفسهم من الاعتداءات أو لتوثيق حقوقهم خوفاً من ضياعها، خاصة في ظل تداخل القانون مع الأعراف العشائرية، مما جعل الحدود بين التوثيق المشروع والتطفل المرفوض أكثر ضبابية، وهو ما يؤكد الحاجة الملحة لقانون واضح يفصل بين الحالتين دون الإضرار بحقوق الأفراد.
من جانبها، ترى مناهل الصالح، وهي باحثة في علم النفس، أن “المجتمع العراقي مر بمرحلة انتقالية صعبة ومعقدة أثرت بشكل مباشر على كل مفاهيم الحرية والخصوصية، فسنوات الحروب والحصار والإرهاب جعلت العراقيين بعيدين عن مفاهيم الأخلاق وانشغلوا بالمعيشة والاستقرار”.
وفي حديث لها، تضيف الصالح أن الخوف من العقوبة أصبح نادراً بسبب سيطرة الأعراف العشائرية والمال الذي بات يحل أكبر المشاكل، وكل هذه النقاط ساهمت في تطبيع السلوك وتكراره.
وتوضح الصالح أن المشكلة تكمن في البنية الاجتماعية التي تحتاج إلى إعادة تشكيل وتوعية بثقافة احترام الخصوصية، مبينة أن منصات التواصل الاجتماعي وما يُعرف بظاهرة “أبطال الكيبورد”، إضافة إلى “الترندات والطشة”، دفعت العديد من الأفراد إلى السعي وراء المشاهدات والإعجابات بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كانت غير أخلاقية أو تنتهك حقوق الآخرين.
وتختم الباحثة الاجتماعية بالقول: “هذا السلوك خلق بيئة تشجع على التصوير العشوائي ونشر المحتوى دون التفكير بعواقبه على خصوصية الآخرين، لأن الهدف أصبح تحقيق الانتشار السريع أكثر من احترام الحقوق الفردية”.
