شهدت محافظات وطننا مؤخرًا مشاهد مؤلمة ومؤسفة لحفلات فنية، لم تكن إقامتها بحد ذاتها هي المأساة الكبرى، بل ما كشفت عنه تلك المشاهد من تصدع عميق في البنية القيمية والتربوية لدى جيلٍ من شبابنا وفتياتنا.
إن مشهد الفتيات الصغيرات وهن يذرفن الدموع لأجل نظرة عابرة من فنان، أو يركضن بلهفة جنونية لاحتضانه، هو ليس مجرد انفعال عابر، بل هو ظاهرة تكشف عن هشاشة نفسية خطيرة وسهولة انقياد مقلقة.
تراجع قيمي باسم “الحداثة”
كان من المفترض أن تُبنى شخصية الفتاة على أسس راسخة من الاعتزاز بالقيم الإسلامية، العفة، والحشمة، وأن تُوجه العاطفة الغضة نحو الأهداف السامية التي تخدم الفرد والمجتمع. ولكن للأسف، وبدعوى الترويج لـ “أساليب التربية الحديثة”، أصبحنا نرى الهشاشة النفسية هي السمة الغالبة، لتحل محل المناعة والقوة الروحية.
لقد شهدنا سابقًا محاولات لـ “تمرير” قوانين مستوردة، كقانون العنف الأسري الذي تضمن إنشاء مراكز إيواء بعيدة كل البعد عن قيم مجتمعنا العراقي المبني على التعاليم الإسلامية. وبفضل يقظة العلماء والشرفاء، تم إيقاف هذا المشروع الذي لا ينسجم مع ديننا ولا ثقافتنا.
الحل في الجذور: حماية من الفشل التربوي
لكن، أليس الأَولى والأوجب أن نوجه جهودنا نحو الدعوة إلى الحماية من الفشل التربوي؟
بدلاً من التطبيل لقوانين مستوردة، يجب علينا أن نعمل على:
• إنشاء مراكز للتربية والإصلاح: تستلهم مناهجها من تراثنا وجواهرنا التربوية الخالصة: القرآن الكريم، والنبي الأكرم، وأهل بيته عليهم السلام.
• إلزامية التدريب الوالدي: إنشاء مراكز تفرض على الوالدين التسجيل فيها لتعلم أساليب تربية الأولاد والاهتمام بهم على أسس صحيحة.
إن جوهر المشكلة اليوم يكمن في أن التربية أصبحت “رعاية جسدية بلا بناء روحي”. فالكثير من الآباء والأمهات يختزلون دورهم في توفير الغذاء الجيد، الملبس الفاخر، والاحتياجات المادية والجسدية فقط.
لقد هُجرت مسؤولية بناء الفكر والقيم، ليملأ هذا الفراغ الهائل الغزو الثقافي وموجات الهوى الزائف التي تجعل أبناءنا فريسة سهلة لكل انحراف عاطفي أو قيمي.
بادروا إلى قلوب الأحداث
إن القابلية للخير موجودة بالفطرة، وهذا ما يؤكده قول الإمام الصادق عليه السلام: “عليكم بالأحداث فإنهم أسرع إلى كل خير”. المشكلة ليست فيهم، بل في تقصيرنا!
كما جاء في وصية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لولده الإمام الحسن عليه السلام:”أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، قبل ان يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْـهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ، وَإِنَّمَا قَلْبُ الْـحَدَثِ كَالأَرْضِ الْـخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ”.
علينا أن نعي أن قلوب أبنائنا هي أرض خالية، فإما أن نغرس فيها شجرة الإيمان والقيم قبل أن تسبقنا إليها رياح الأهواء، أو نتركها للغزو الثقافي يزرع فيها ما يشاء.
إنها مسؤوليتنا جميعًا: الأسر، والمؤسسات الدينية، والدولة، أن نتحول من رعاية الجسد إلى بناء الروح، وأن نبادر بالأدب والقيم قبل فوات الأوان!
