الأخبار

مع غياب تطبيق القانون؛ زحف الإسمنت يلتهم البساتين ويهدد الأمن الغذائي

الهدى – متابعات ..

تختفي البساتين الخضراء في العراق اليوم أمام أعيننا بصورة متسارعة ويستبدل الغطاء النباتي الحيوي بمبانٍ سكنية وأحياء جديدة، في مشهد يعكس قرار المدن بابتلاع الأراضي الزراعية دون أي اعتبار للتوازن البيئي الحرج أو الأمن الغذائي المستقبلي.

وقد تحولت آلاف الدونمات التي كانت تمثل ثروة طبيعية هائلة إلى مدن سكنية مترامية الأطراف في حين تبقى مساحات شاسعة من الأراضي الفارغة الأخرى مهملة وغير مستغلة.

ويشير المراقبون إلى أن هذا التوسع العمراني لم يكن مجرد استجابة لضغط النمو السكاني بل أصبح سياسة واضحة تدفع بقوة نحو تحويل البساتين إلى قطع سكنية مدفوعة بتشجيع مشاريع التمليك والبناء السريع على حساب البيئة ومستقبل المزارعين.

ولقد جعلت هذه الصورة البساتين ضحية حتمية للبناء العشوائي والمنظم على حد سواء، ما يطرح تساؤلاً جوهريًا حول كيفية حماية هذه الثروة وتحقيق التوازن بين ضرورات التوسع العمراني والنمو السكاني دون أن تلتهم المدن الأرض الخضراء وتهدد المصدر الأساسي للغذاء

إحصائيات صادمة التوسع الحضري يبتلع مئات الكيلومترات الزراعية

وتؤكد إحصائيات دقيقة حجم الكارثة البيئية، فبحسب تقرير منشور في مجلة العلوم الأساسية، بجامعة واسط، اعتمد على تحليل صور الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بعد للفترة من عام ألفين حتى عام ألفين وأربعة وعشرين، فقد شهدت المدن العراقية الكبرى توسعًا حضريًا ضخمًا على حساب الأراضي الزراعية والبساتين.

ففي بغداد ارتفعت المساحة الحضرية بنحو مائتين وسبعين كيلومترًا مربعًا بينما فقدت المدينة ما يقارب ثلاثمائة كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية، وفي الموصل أظهر التقرير زيادة في العمران تقدر بحوالي مائة وثلاثين كيلومترًا مربعًا مقابل انخفاض الأراضي الزراعية بنحو مائة وخمسين كيلومترًا مربعًا، أما في البصرة فقد توسعت المناطق الحضرية بمعدل يقارب مائة وعشرة كيلومترات مربعة، في حين انخفضت الأراضي الزراعية بنحو مائة وخمسين كيلومترًا مربعًا.

وهذه الأرقام تعكس نمطًا واضحًا من الزحف العمراني الأفقي غير المخطط الذي يفرض ضغوطًا هائلة على الغطاء الأخضر ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة السياسات العمرانية على التوازن بين النمو الحضري والحفاظ على الأراضي الزراعية والبساتين.

ويضاف إلى ذلك أن الخطط الحكومية لإنشاء ستين مدينة سكنية جديدة تشير إلى استمرار التوسع العمراني بوتيرة سريعة حيث تهدف الحكومة إلى بناء نحو ستمائة ألف وحدة سكنية بحلول الربع الأول من عام ألفين وستة وعشرين ضمن مشاريع حكومية وخاصة في مختلف المحافظات.

ورغم أن الخطط الرسمية تستهدف الأراضي الفارغة أو غير المستغلة تشير بعض التقارير الميدانية إلى أن جزءًا من الأراضي الزراعية المخصصة لهذه المشاريع قد يشمل بساتين قائمة بما في ذلك مناطق حيوية في بغداد مثل البوعيثة والدورة، ما يثير تساؤلات جدية حول إمكانية حماية البساتين في مواجهة هذا التوسع العمراني المتسارع.

غياب القانون وضعف الدعم الزراعي يفاقمان الأزمة

ويشير الخبير الزراعي، تحسين الموسوي، إلى أن البساتين في العراق شهدت تراجعًا حادًا نتيجة تجريف واسع للأراضي الزراعية وسياسات غير متوازنة.

ويؤكد الموسوي، أن السبب الأساسي يعود إلى غياب تطبيق القوانين، فالبساتين سواء كانت ملكية عامة أو خاصة محمية قانونيًا من تحويل استخدامها، إلا أن ضعف الرقابة واستخدام النفوذ سمحا بتجاوز هذه القوانين دون محاسبة المسؤولين ما أدى إلى آثار سلبية خطيرة على البيئة والإنتاج الزراعي والاقتصاد المحلي.

ويضيف الموسوي أن الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها الفلاحون لعبت دورًا كبيرًا في هذا الانخفاض خاصة مع فتح السوق أمام المستوردات ما جعل الإنتاج المحلي غير قادر على المنافسة، إضافة إلى غياب برامج تطوير زراعية فعالة تشمل استخدام التكنولوجيا الحديثة وتوفير الأسمدة والمضادات الحشرية بأسعار مناسبة ونقص الدعم الحكومي لتطوير القدرات الإنتاجية.

ويؤكد الموسوي أن بعض البساتين التي فقدت قيمتها الاقتصادية جرى تجزئتها وبيعها لمستثمرين أو تحويلها إلى مجمعات صناعية وسكنية بشكل غير قانوني بهدف تحقيق أرباح سريعة وهي عملية تعد خسارة اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.

كما يشير إلى أن غياب تشريعات حديثة لمعالجة الملكية الوراثية أدى إلى تفاقم المشكلة حيث قام الورثة بتقسيم الأراضي أو بيعها ما زاد من تضاؤل الرقعة الزراعية.

ويستدرك الموسوي أن مشكلات منظومات الري تزيد الوضع سوءًا فمع تراجع حصص العراق المائية والجفاف كان بالإمكان استخدام تقنيات ري حديثة مثل الري بالتقطير المرتبط بالجذر لتوفير المياه وضمان انتظام توزيعها إلا أن ارتفاع التكاليف جعل هذا الخيار شبه مستحيل على الفلاحين.

ويختتم تحليله بالقول إن إنقاذ البساتين ليس مهمة مستحيلة بل يحتاج إلى قرارات واعية واستراتيجيات متكاملة تشمل حماية القوانين وتطوير قدرات الفلاحين وتحسين نظم الري وتشجيع الاستثمار المستدام، مؤكدًا أن الوضع الحالي للغطاء النباتي أصبح في مرحلة حرجة تهدد الاقتصاد والبيئة والصحة العامة

صرخة الفلاحين والوعي البيئي ضرورة الموازنة بين العمران والزراعة

ويشير الفلاح علي عبد الله، من إحدى مناطق بغداد القديمة إلى أن التوسع العمراني أثر بشكل مباشر في حياته وحياة أسرته قائلًا إن البساتين التي ورثناها عن آبائنا بدأت تتقلص شيئًا فشيئًا وتحولت بعضها إلى وحدات سكنية أو مشاريع استثمارية، ففقدان الأرض يعني فقدان مصدر رزقنا ونحن مجبرون على البحث عن أعمال بديلة تكفي حاجتنا اليومية.

ويضيف عبد الله أن ارتفاع أسعار الأراضي والمنافسة مع المستثمرين جعل من الصعب على الفلاحين البقاء في العمل الزراعي ما دفع الكثيرين إلى الهجرة الداخلية أو بيع الأراضي بسعر أقل من قيمتها الحقيقية.

ويؤكد أن غياب الدعم الحكومي المباشر للفلاحين من حيث التسهيلات الزراعية أو برامج حماية الإنتاج يزيد من هشاشة المجتمع الريفي ويضعف قدرته على الصمود أمام التوسع العمراني غير المنضبط.

ويختم حديثه بالقول إذا أردنا أن تحافظ المدن على خضرتها والريف على إنتاجه يجب أن تكون هناك سياسات واضحة تحمي البساتين وتوازن بين العمران والزراعة وتدعم الفلاحين ليبقوا على أرضهم.

ومن جانبه يشير الناشط البيئي مرتضى الجنوبي، إلى أن إدارة البساتين في العراق تواجه تحديات كبيرة إذ تتزامن جهود الحكومة للحد من التصحر ومواجهة تغير المناخ مع ضغوط التوسع العمراني وتحويل بعض الأراضي الزراعية إلى مشاريع سكنية أو استثمارية.

ويؤكد الجنوبي، أن العراق يمتلك مساحات واسعة تصلح للتوسع السكني خارج مناطق البساتين وكان بالإمكان توجيه المشاريع العمرانية نحو هذه الأراضي لتخفيف الضغط على الغطاء الأخضر والحفاظ على البيئة الزراعية.

ويرى أن جزءًا من المشكلة يعود إلى تفاوت تطبيق السياسات والقوانين بين الجهات المعنية ما يؤدي أحيانًا إلى قرارات سريعة في تغيير استخدام الأرض دون دراسة أثرها البيئي والاجتماعي بشكل كامل.

ويشدد الجنوبي، على أن بعض مناطق حزام بغداد وضفاف الأنهار شهدت تغييرات ملموسة في طبيعة استخدام الأرض إذ جرى تحويل بساتين قديمة إلى مشاريع سكنية أو خدمية وهو ما يتطلب دراسة دقيقة لتقييم تأثيره على البيئة والمجتمعات المحلية خصوصًا في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها البلاد.

ويخلص إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب سياسات واضحة لإدارة الأراضي وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية وتوجيه التوسع العمراني نحو الأراضي غير المستغلة بما يضمن حماية البساتين ودعم الاستدامة البيئية

مواجهة حكومية وتشريعات رادعة لحماية الثروة الزراعية

وفي سياق المسؤولية الحكومية، تشدد وزارة الزراعة على أن حماية الأراضي الزراعية والبساتين تمثل إحدى أولوياتها الوطنية، نظرًا لدورها الحيوي في الأمن الغذائي والحفاظ على الثروة الزراعية ومواجهة التحديات المناخية.

ويأتي هذا الاهتمام في وقت يشهد فيه العراق ضغوطًا عمرانية متزايدة ما يستدعي سياسات واضحة ورقابة دقيقة لضمان استدامة الموارد الزراعية للأجيال القادمة.

وفي تصريح له، أوضح المتحدث باسم وزارة الزراعة، محمد الخزاعي، أن الوزارة استحدثت شعبة خاصة بملف التجاوز على الأراضي الزراعية، وتتابع جميع الحالات بشكل دوري وفق ما تنص عليه القوانين.

وأشار إلى أن قانون العقوبات والقانون رقم خمسة عشر لسنة ألفين وستة عشر وقرار مجلس الدولة رقم ثلاثمائة وعشرين لسنة ألفين واثنين وعشرين تنص على عقوبات صارمة وغرامات مالية تصل إلى مائتي مليون دينار عراقي لمن يقوم بتحويل الأراضي الزراعية إلى استخدامات غير قانونية.

وأكد الخزاعي، أن الوزارة أعدت مسودة مشروع قانون لتجريم التجاوز على الأراضي الزراعية يتضمن عقوبات رادعة تشمل السجن لمدة خمس سنوات وغرامة مالية تصل إلى مائة مليون دينار عراقي وتم رفعه إلى مجلس الدولة لإقراره.

وأضاف أن هذه الإجراءات ليست مجرد عقوبات بل جزء من استراتيجية شاملة لحماية البساتين وتشجيع الاستثمار الزراعي المشروع ودعم الفلاحين والحفاظ على الموارد الطبيعية.

ويختم الخزاعي بالقول إن الاهتمام الحكومي بهذا الملف يعكس حرص الدولة على الموازنة بين التوسع العمراني والحفاظ على البيئة والثروة الزراعية، مؤكدًا أن إجراءات الوزارة تهدف إلى ضمان استدامة الأراضي الزراعية وتفعيل الرقابة على تحويلها وحماية حقوق المزارعين بما يحقق مصلحة الاقتصاد الوطني والمجتمع في الوقت نفسه.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا