الأخبار

المرأة المعيلة في العراق قصة صمود اقتصادي

الهدى – متابعات ..

تثبت النساء المعيلات في العراق يوماً بعد يوم قدرتهن الاستثنائية على مواجهة أعقد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، محوّلات مسؤوليات الإعالة الثقيلة إلى فرص حقيقية لدعم أسرهن وتحقيق استقلال مالي راسخ.

ولقد شهد المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الأسر التي تعولها النساء وهو تحوّل اجتماعي عميق يظهر تغيّراً في الأدوار التقليدية داخل الأسرة وتنامياً ملحوظاً لمشاركة المرأة الاقتصادية.

تحوّل الأدوار ما وراء غياب المعيل

ولم تعد ظاهرة الأم المعيلة مرتبطة فقط بغياب المعيل الذكَر، بسبب الوفاة أو الطلاق أو المرض، بل باتت نتيجة خيارات اجتماعية واقتصادية متعددة.

ويشير الباحثون إلى أن هذا التحول نابع من تضافر عدة عوامل أبرزها ارتفاع نسب التعليم بين النساء وتوسع فرص العمل أمامهن إضافةً إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت كثيرًا من النساء لتولّي مسؤولية الإعالة بشكل كامل أو مشترك.

وهذا التحوّل يفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول مدى جاهزية السياسات الاجتماعية والاقتصادية لدعم هذه الفئة وتأثير هذا الدور المتنامي على بنية الأسرة والمجتمع ككل.

نماذج حية قوة تنبع من المسؤولية

وتتجسد قوة الصمود في قصص النساء اللواتي حملن عبء الإعالة، آلاء عباس، 37 عاماً، اضطرت آلاء للعمل بعد إصابة زوجها بمرضٍ أقعده عن العمل.

تروي آلاء، قصتها قائلة “في البداية كان الأمر صعباً لكنني وجدتُ في داخلي قوة لم أكن أدركها، أصبحتُ أدرّس الأطفال في المنزل ثم توسّع الأمر لأقدّم دروساً عبر الإنترنت وبالرغم من أن المسؤولية ثقيلة لكنني أشعر بأنني أسهم في استقرار أسرتي وأمنها وهذا يمنحني دافعاً للاستمرار”.

أم حوراء، بعد فقدانها لزوجها، اضطرت للبحث عن مصدر رزق ثابت فالتحقت بعمل في إحدى الشركات الأهلية.

وتؤكد “واجهتُ صعوبات في التوفيق بين واجباتي الوظيفية وشؤون المنزل ومع ذلك أشعر بأن دوري في إعالة أسرتي هو واجب أخلاقي وإنساني وأسعى دوماً إلى تلبية احتياجات أبنائي بأفضل ما أستطيع”.

فاطمة الكعبي، توقل انها ورثت محلاً صغيراً للخياطة عن والدتها، وبعد وفاة زوجها حملت على عاتقها مسؤولية إعالة أطفالها الثلاثة.

توضح “عملتُ ساعات طويلة وتعلمتُ مهارات جديدة كي أستطيع تلبية طلبات الزبائن واليوم أشعر بالفخر لأنني استطعتُ تحويل عملي المتواضع إلى مصدر رزق كريم وبأنني وفّرت لأبنائي حياة مستقرة رغم كل التحديات”.

أسباب اجتماعية وسياسية وراء الظاهرة

ويحلل الباحث الاجتماعي الدكتور حسن حمدان، ظاهرة ارتفاع نسبة المعيلات، مؤكداً أن عوامل عديدة أسهمت في هذا التحول.

التوجهات الدولية

ويرى حمدان، أن التوجهات المفروضة على العراق من قبل المنظمات الدولية دفعت إلى مراعاة عمل النساء في الوظائف الحكومية بالتساوي مع الرجال.

وأشار إلى أن الإرهاب كان يستهدف الرجال أكثر من النساء بدءًا من القتل على الهوية إلى تفجير مساطر العمال ما ساهم في تغييب فئة كبيرة من الرجال عن سوق العمل.

الوضع الديموغرافي

وبيّن حمدان، أن زيادة نسبة المطلقات والأرامل والعازبات غير المتزوجات وضعت على عاتق المرأة مسؤوليات ثقيلة.

كما لفت إلى أن بعض المنظمات النسوية ساهمت في هيمنة النساء على العديد من الوظائف في القطاعين العام والخاص مما قلص فرص الرجال رغم أن المرأة لا تزال تحلم بأن يعتمد عليها الرجل مالياً وتعيش تحت كنفه دون إدراك أنها تشارك الرجل في سوق العمل وتزاحمه فيه دون قصد.

نموذجٌ للقوة وتغيير الصورة النمطية

من جانبها أوضحت الناشطة النسوية ابتسام الشمري، أن النساء اللواتي يعِلن أسرهن يمثلن نموذجًا حيًا للصمود والقوة في مجتمع كثيرًا ما يفرض قيودًا على أدوارهن التقليدية.

وشددت الشمري، على أن أهمية هذا الدور لا تقتصر على الدعم المادي فقط بل تمتد لتغيير الصورة النمطية عن المرأة وقدرتها على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية.

وأكدت أن “النساء المعيلات يرسمن نموذجًا يلهم الأجيال القادمة، ويؤكد أن القوة ليست مقصورة على الجنس وأن العدالة الاقتصادية والاجتماعية تتطلب دعم المرأة وتمكينها من الوصول إلى الموارد والفرص”.

كما أشارت إلى الدور الاقتصادي المهم للمرأة خاصة عندما تنتقل من دور ربة المنزل إلى معيلة للأسرة فـتساهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد المحلي وتشجع النساء على البدء بمشاريعهن الخاصة رغم محدودية الإمكانات وتوفر دخلاً مستداماً يسهم في ضمان تعليم الأطفال وصحتهم واستقرار مستقبلهم.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا