الأخبار

الشيخ الصالح: الأمة الإسلامية بأمس الحاجة للقيادة الجامعة ونبذ العصبية

الهدى – متابعات ..

أكد نائب الأمين العام لجمعية العمل الإسلامي البحرينية، الشيخ عبد الله الصالح البحراني، أن الأمة الإسلامية، في ظل التحديات المصيرية التي تحيط بها اليوم، تقف بأمس الحاجة إلى استحضار معاني الوحدة الإسلامية العميقة التي أرساها الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سيرته المباركة، مشيراً إلى أن هذه المبادئ ليست مجرد تاريخ، بل هي دعوة متجددة لكل مسلم.

جاء ذلك في حوار خاص أجرته وكالة أنباء التقريب بين المذاهب الإسلامية (تنــا)، بمناسبة مرور 1500 عام على مولد النبي الأكرم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه واله وسلم)، وتابعته مجلة الهدى، تناول أسس الوحدة في السيرة النبوية، وكيفية إدارة الخلافات، والمفهوم الجامع للاعتصام بـ “حبل الله”.

الركائز النبوية السبع لوحدة المجتمع

وأوضح الشيخ البحراني أن النبي الكريم (صلى الله عليه واله وسلم) أرسى سبعة أسس محورية في سيرته لتحقيق الوحدة وبناء المجتمع المتماسك.

أولاً، جعل النبي الرابطة الإيمانية هي الأساس متجاوزاً جميع الفوارق، مستنداً إلى قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}.

ثانياً، قام بإلغاء كامل للاعتبارات القبلية والطبقية، فكان بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي من أعمدة المجتمع الإسلامي الأول دون تمييز.

ثالثاً، أسس النبي بعد الهجرة لنموذج فريد من التضامن الاجتماعي والسياسي من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، مما جعلهم يتوارثون ويتناصرون.

رابعاً، ساوى الرسول الكريم (صصلى الله عليه واله وسلم)، في وثيقة المدينة، بين المسلمين واليهود من حيث الحقوق والواجبات، مؤسساً لمجتمع تعددي متماسك أساسه العدل في التعامل حتى مع الخصوم، عملاً بقوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى}.

خامساً، وحّد النبي الأمة حول شعائر الإسلام كالصلاة والصيام والحج والقبلة، مما عزز الهوية الجماعية للمسلمين.

سادساً، كان النبي (صلى الله عليه واله وسلم) هو المرجع الأعلى في النزاعات والموجه في السلم والحرب، مما منع التشرذم والانقسام بين المسلمين، واستمر هذا النموذج بعد وفاته في عهدة الأئمة عليهم السلام الذين أوصاهم النبي بالمحافظة على وحدة الأمة.

سابعاً، تعامل النبي صلى الله عليه وآله مع غير المسلمين في المدينة بالحكمة والعدل، مؤسساً لبيئة تعايش آمنة دون أن يتنازل عن ثوابت الإسلام.

وأكد سماحة الشيخ الصالح أن هذه الأسس، التي تشمل الإيمان أساساً للانتماء، والأخوة العملية، والعدل والمساواة، والقيادة الجامعة، ووحدة الشعائر، والتعايش مع الآخر، صنعت أمة واحدة من شعوب وقبائل متفرقة، وهي السبيل لاستعادة وحدة الأمة اليوم.

مبادئ نبوية لإدارة الخلافات والتعايش السلمي

وفيما يتعلق بكيفية إدارة المسلمين لخلافاتهم ورسم التعايش السلمي فيما بينهم انطلاقاً من السيرة النبوية الشريفة، أشار سماحته إلى ست خطوات عملية. أولها، التحاكم للحق لا للهوى، حيث كان النبي (صلى الله عليه واله وسلم) يفصل بين الناس بالعدل ويرجعهم إلى الوحي لا إلى العصبيات أو المصالح. وثانيها، احترام التنوع المشروع، فقد أيد النبي اختلاف الأعراف والقبائل ما دام لا يخالف العقيدة، ونهى عن العصبية قائلاً: [دعوها فإنها منتنة]. وثالثها، الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، حيث واجه النبي الخلافات بالحجة واللين، ولم يلجأ إلى التكفير أو الإقصاء، كما فعل مع اليهود والنصارى والمنافقين. ورابعها، تقديم المصلحة العامة على الرأي الفردي، كما حدث في صلح الحديبية حين تنازل الرسول الكريم (صلى الله عليه واله وسلم) عن بعض المطالب لحفظ وحدة الأمة وتقوية موقعها الاستراتيجي. وخامسها، ضبط الانفعال وتجنب الفتنة، إذ نهى النبي عن الغضب والانتصار للنفس، وأمر بالصبر وكظم الغيظ. وسادسها، القيادة الجامعة والمرجعية النبوية، حيث جمع الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) الأمة حوله وحول عترته كمرجع موثوق، يُصلح ذات البين ويمنع الانقسام ويؤسس للوحدة الفكرية والسياسية، وأمر العترة باتباع ذات الأساليب.

وأكد سماحة الشيخ الصالح أن هذه المبادئ النبوية ليست فقط علاجاً للخلاف، بل هي أساس لبناء أمة متماسكة رغم تنوعها.

توصيات النبي والسبل العملية للتطبيق المعاصر

واستعرض الشيخ الصالح توصيات السيرة النبوية حول وحدة الأمة، التي تتمحور حول الإيمان والأخوة والعدل ونبذ الفرقة.

وتتمثل هذه التوصيات في التمسك بالقرآن والنبوة والعترة، قائلاً: [تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي]، مما يجعل الوحدة تبدأ من مرجعية واحدة.

كما شدد على نبذ العصبية والفرقة وإرساء الأخوة الإيمانية، مستشهداً بحديث: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا]، بالإضافة إلى العدل في التعامل مع الجميع والحوار بالحكمة والموعظة الحسنة.

وحول السبل الكفيلة بتطبيق هذه التعاليم اليوم، دعا إلى الرجوع إلى المرجعية المشتركة (القرآن والنبي والعترة) لحل النزاعات الفكرية والسياسية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم بين المذاهب والمدارس الفكرية بدلاً من التكفير والتبديع.

كما أوصى بالتركيز على القضايا الجامعة كتحرير الأرض ومقاومة الظلم ونصرة المستضعفين، بدلاً من الانشغال بالخلافات الهامشية، وتربية الأجيال على الأخوة الإسلامية، ودعم المبادرات الوحدوية.

وخلص سماحته إلى أن الوحدة ليست مجرد شعار، بل مشروع نبوي متجدد يبدأ من الفرد ويُثمر في الأمة.

“الاعتصام بحبل الله”: قواسم مشتركة بين المذاهب

وتطرق سماحة الشيخ الصالح إلى مفهوم “الاعتصام بحبل الله” في القرآن الكريم، مؤكداً أن علماء السنة والشيعة أجمعوا على أنه أساس وحدة الأمة ووسيلة النجاة من الفتنة والفرقة، على الرغم من اختلاف في تفسير “الحبل” وتطبيقه.

حيث يفسر علماء أهل السنة “حبل الله” بأنه القرآن والسنة والجماعة، كما قال ابن القيم: “الاعتصام بوحي الله هو تحكيمه دون آراء الرجال”، ويؤكدون أن تركه يؤدي إلى البدعة والفرقة.

بينما يفسر علماء الشيعة الإمامية “حبل الله” بأنه القرآن وأهل البيت عليهم السلام، استناداً إلى حديث الثقلين، ويرون أن الاعتصام يتحقق باتباع الوحي الإلهي عبر القرآن وتفسيره الصحيح الذي يحمله أهل البيت (عليهم السلام).

وأشار إلى القواسم المشتركة القوية والواضحة بين الفريقين، وهي الاتفاق على أن الاعتصام بحبل الله هو سبيل النجاة، والتمسك بالوحي الإلهي كمرجعية عليا، ورفض العصبية والفرقة، والدعوة إلى وحدة الأمة على أساس الإيمان والعدل، والتحذير من التفرق بعد مجيء البينات.

واختتم بالتأكيد على أن تطبيق هذه التعاليم اليوم يتطلب الرجوع إلى النصوص القطعية، واحترام المدارس الفقهية والمذهبية ما دامت لا تنقض أصول الدين، وتعزيز الحوار والتعاون على أساس المشتركات الكبرى، ونشر ثقافة الاعتصام بالحق بدلاً من التعصب للأشخاص أو الجماعات، مؤكداً أن الوحدة الإسلامية مشروع نبوي متجدد يجب أن يعزز التعايش السلمي ويقوي الأمة أمام التحديات.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا