فکر و تنمیة

وباء العالَم الافتراضي

يعرَّف الوباء بأنه من الأمراض الخطيرة والمعدية التي تصيب (في وقت واحد أو في الآن نفسه) عددا كبيرا من سكان بلد أو منطقة واحدة، وإذا جاز لنا التشبيه فإن ما يسمى بالعالم الافتراضي الذي قدَّمته شبكة الإنترنيت لنا كأهم اكتشاف تواصلي على مستوى العالم، مع الجوانب السيئة التي ترافق حسناته يُعدّ من الأمراض المعقدة التي تنتمي لعصرنا هذا.

ومن الجوانب السلبية التي تهدد الاستقرار الجمعي والفردي بسبب ظهور العالم الافتراضي، تأثيره الحاد في زعزعة المنظومة النفسية لجمعٍ من الناس والأفراد أيضا، وكذلك تهديده الواضح في تدمير الزمن المخصص لكل إنسان وخصوصا الشباب، وهاتان السلبيتان كفيلتان بتقليل منسوب المحاسن التي يقدمها العالم الافتراضي للإنسان، وسوف نناقش هنا هاتين النقطتين بالتتابع مع إظهار الأدلة والقرائن التي تؤكد الجانب السلبي للعالم الافتراضي على الرغم من أنه يعد من المكتشفات والعلامات الأساسية التي سرّعت حركة العالم والناس.

الجانب الأول: زعزعة المنظومة النفسية

يعتقد الكثير من الناس بأن غياب الشكل المادي للإنسان يقلل من تأثيره النفسي على الآخرين، وفي العالم الافتراضي لا يوجد تجسيد ملموس وحقيقي للإنسان، بل هنالك أشخاص تعرفهم أو تجهلهم في هذا العالم المصنوع في الشبكة الأخطبوطية، لكن لا تراهم بالصورة المادية التي اعتادت عليها أبصارنا، ولذلك فإن الجملة التي يكتبها الإنسان الافتراضي لا يعتقد كثيرون بأنها مؤثرة، أو لها ردود فعل نفسية عميقة، ويعتقد هؤلاء بأن الشخص الفعلي الذي تراه حقيقة ببصرك هو وحده الذي يؤثر فيك ويجرج مشاعرك، ويخترق حصانتك النفسية واستقرارك، لكن في الحقيقة أية كلمة تقرأها أو تسمعها في العالم الافتراضي تترك فعلها وتأثيرها الواضح على تفكيرك وتوازنك واستقرارك أيضا.

لهذا فإن العالم الافتراضي يهدد بقوة منظومتك النفسية، ويزعزع ثباتك النفسي، لأن الجملة أو الكلمة المقروءة في مواقع التواصل أو المسموعة، سوف يكون لها تأثير الإنسان الحقيقي الذي يقف أمامك فعليا، وهذا يعني أن العالم الافتراضي يضعك في كل لحظة أمام ملايين الناس، ويجعلك مهدَّدا نفسا من هؤلاء، فبإمكان أي شخص ينتمي للعالم الافتراضي أن ينشر محتوى مؤذٍ أو مؤلم أو خادش للحياء أن يسيء لك حتى لو حاولت أن تتحاشى هذه الإساءة، من خلال العزلة التي تضربها على نفسك ووجودك المادي.

لذلك يشكو الكثير من شبابنا هذا الوباء الافتراضي، وما يقدمه من فرص للمسيئين كي يسيئوا للجميع ومن بينهم شبابنا، وإذا كانت هنالك ثقافات أخرى تنظر إلى المحتوى المسيء وفق منظومتنا الأخلاقية على أنه محتوى مقبول أو جيد، فإن ما تربينا عليه يؤكد بأن تلك المحتويات الهابطة مسيئة ومؤثرة وتهدد منظومتنا النفسية وحتى الأخلاقية، وإذا كانت هنالك فرصة لتحاشي تلك المحتويات الخادشة (المقبولة في الثقافات الأخرى)، فهذا لا يعني قدرة جميع الناس وخاصة الشباب على غلق الأبواب أمام مثل هذه الثقافات والمحتويات الهابطة.

لذلك من المتوقّع أن يسقط عدد من الشباب ضحايا لهذا العالم الافتراضي ذي الحدّين، فقد بات عالم اليوم غير قادر على مواصلة العيش بعيدا عن شبكة الإنترنيت التي خلقت العالم الافتراضي ومدَّته بالديمومة، ورهنت مجالات العمل المختلفة بوجود الإنترنيت، هنا بالضبط تكمن خطورة هذا العالم الذي بات من المستحيل الاستغناء عنه، لأننا سوف نكون في عزلة قاتلة.

الجانب الثاني: تهديد الوقت الشبابي

كان شبابنا حتى سنوات قريبة، يستمتعون بأوقاتهم الفائضة بشكل جيد، وكانوا لا يعانون من الفراغ بهذا الذي يحصل اليوم، وفي السابق كانت أوقات الفراغ يتم قتلها بالرياضة وبفعاليات أخرى مفيدة للصحة، وتجعل الشباب والناس الآخرين ينعمون بأوقات سعيدة مستقرة، لكن في عصر الوباء الافتراضي لم يعد الشباب يميلون إلى قتل الفائض في نشاطات مفيدة كالرياضة أو القراءة وغيرهما، وإنما هنالك المقاهي (الكازينوهات) وأجهزة الموبايل مع وجود (الناركيلات) بأعداد هائلة، فأصبح التهديد مزدوجا يشمل قتل الفراغ بطريقة خاطئة ومدمّرة، مع وجود التردّي الصحي بسبب الإقبال الشبابي الكبير على التدخين.

ولهذا نلاحظ منذ سنوات إقبالا مخيفا على هذا النوع من التدخين، وتدمير منهجيا للوقت الشبابي الفائض، فهل هناك أخطر من هذين التهديدين بسبب وجود العالم الافتراضي؟ بالطبع نحن لا ندعو لمحاربة الإنترنيت، ومنع الشباب من ذلك، فهذا لا يستقيم مع طبيعة العصر، بل على العكس من ذلك يجب ان يتبحَّر شبابنا في عالم الإنترنيت، وأن يدخلوا في العالم بلا تردد، ولكن يجب أن يحصّنوا أنفسهم من الحدّ السيّئ الذي يحمله العالم الافتراضي للشباب ولجميع الناس، لذا علينا استثمار الجانب الجيد الذي يقدمه الإنترنيت لنا، ونكون بذلك قد نجحنا في جانبين، الأول استطعنا أن نتحرك بحرية في عالم العمل والاستفادة من إيجابيات الإنترنيت، وثانيا تحاشينا محاولات زعزعة المنظومة النفسية، ولم نسمح بقتل أوقاتنا الفائضة بالتفاهات.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا