الهدى – واسط ..
في خضم أزمة شحّة المياه الخانقة التي تضرب العراق وتراجع الدعم الحكومي للقطاع الزراعي، تصاعدت حدة الغضب والرفض في محافظة واسط، التي تُعد عمود الأمن الغذائي في البلاد.
وقد أعلن “تحالف واسط الأجمل” رفضه القاطع للخطة الزراعية الشتوية للموسم 2025-2026 التي أقرتها الحكومة الاتحادية ومجلس الوزراء في الرابع من تشرين الثاني 2025، واصفاً إياها بأنها “مجحفة وغير واقعية”، ومطلقاً تحذيرات شديدة اللهجة من آثارها الكارثية على الفلاحين وعلى مستقبل الزراعة في المحافظة.
سياسات “تجويع الفلاحين” وتجاهل لدور واسط الحيوي
وفي بيان حاسم، أكد تحالف واسط الأجمل أن “الخطة الحكومية تمثل حلقة جديدة ضمن سلسلة السياسات التي تستهدف تجويع الفلاحين وضرب الثروة الزراعية في واسط”، مشدداً على مكانة المحافظة التي “كانت وما تزال سلة خبز العراق وعمود أمنه الغذائي”.
وأشار التحالف إلى أن الفلاحين يشكلون ثلث سكان واسط ويمثلون “حجر الزاوية في استقرارها الاقتصادي والأمني”، مؤكداً رفضه القاطع لأي خطة تُقصي هذه الشريحة أو تهدد مصدر رزقها.
وأضاف البيان أن الأزمة تتجاوز شحّ المياه لتشمل إهمالاً حكومياً واضحاً، حيث قامت الحكومة برفع دعمها عن البذور والسماد والأدوية الزراعية، إلى جانب إدارتها السيئة لملف المياه الذي أدى إلى هدر الموارد الزراعية.
واعتبر التحالف أن قرار مجلس الوزراء إطلاق خطة بلا سند عملي أو دعم واقعي يمثل “تهرباً من المسؤولية وإلقاء بالأعباء على الفلاحين”، وأن تجاهل خصوصية واسط الزراعية ومعاناة أهلها من نقص الدعم وتراجع واردات المياه يُعد “ظلماً صارخاً لا يمكن السكوت عنه”.
دعوات للتحرك الطارئ واستعداد للإجراءات التضامنية
ولمواجهة هذا القرار، دعا تحالف واسط الأجمل مجلس محافظة واسط إلى “عقد جلسة طارئة لمناقشة القرار الحكومي والوقوف بوجهه”، مطالباً ببيان حكومي موحد بين المجلس والحكومة المحلية للمطالبة بـ”تعديل الخطة الزراعية فوراً والسماح بزراعة ثلث مساحة الأراضي الصالحة للزراعة على الأقل”.
وأكد التحالف في ختام بيانه “استعداده لاتخاذ إجراءات تضامنية شعبية مع الفلاحين في حال عدم تعديل الخطة”، مشدداً على ضرورة وضع خطة تسويق عادلة ومنصفة “تضمن كرامة الفلاحين وتعطي واسط حقها كأرض منتجة لا مستبعدة”.
“خطة بائسة” لا تراعي واقع “3.5 مليون دونم صالحة للزراعة”
من جانبه، أعرب المزارع حسن نصيف التميمي من محافظة واسط، في حديث متلفز، عن استيائه الشديد من الخطة الزراعية الشتوية، واصفاً إياها بأنها “خطة بائسة” وغير واقعية.
وشدد التميمي على أن الحكومة لم تأخذ بعين الاعتبار أهمية الفلاحين ودورهم الحيوي في الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.
وقال التميمي معبراً عن الإحباط الكبير: “اليوم محافظة واسط وحدها تضم أكثر من 3.5 مليون دونم صالحة للزراعة، مع وجود مزارعين كبار لديهم خبرة وإمكانيات، لكن الخطة الحكومية لم تأخذ هذا الواقع في الحسبان، مليون دونم فقط موزع على 15 محافظة هذا شيء مؤلم ويولد إحباطاً كبيراً لدى الفلاحين”.
وتابع التميمي مؤكداً على أن المشكلة ليست محصورة في المياه، حيث توجد حلول بديلة عبر الآبار والمياه الجوفية المستدامة، لكنه انتقد بشدة أن الحكومة “عزلت نفسها عن أهم قطاع حيوي في العراق وهو الزراعة”، مؤكداً أن الزراعة هي “العمود الفقري للاقتصاد العراقي”.
وحذر التميمي من أن “احتجاجات الفلاحين التي بدأت من أرض ثورة العشرين في الفرات الأوسط، وانتشرت إلى واسط وذي قار وميسان، ستستمر إذا لم تُعدل الحكومة سياستها الزراعية”، مطالباً الحكومة بالتواصل مع الفلاحين ومراعاة واقعهم قبل وضع أي خطة مستقبلية.
تفاصيل الخطة الحكومية
في المقابل، كانت وزارة الزراعة قد أعلنت على لسان الوزير الدكتور عباس جبر المالكي، في الرابع من تشرين الثاني 2025، إقرار الخطة الزراعية الشتوية للموسم 2025-2026، مبيناً أنها “تستهدف زراعة أربعة ملايين ونصف المليون دونم في مختلف المحافظات العراقية”.
وأوضح أن مليون دونم من هذه المساحات ستكون مخصصة للأراضي المروية (على المياه السطحية)، فيما تُخصَّص ثلاثة ملايين ونصف المليون دونم للأراضي الصحراوية التي ستعتمد على المياه الجوفية.
وأكد الوزير أن الخطة تأتي في إطار دعم الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي رغم تحديات شحّ المياه التي تواجه البلاد.
وكان مجلس الوزراء قد صوّت في اليوم ذاته على الخطة، مشدداً على “استعمال منظومات الرّي الحديثة في زراعة محصول الحنطة المزروعة على المياه الجوفية أو السطحية”، ومنع وزارة التجارة من استلام أي كمّية من الحنطة المزروعة خارج الخطة الزراعية الموضوعة من وزارة الزراعة، في محاولة لضبط الملف الزراعي في ظل تحديات الجفاف غير المسبوقة.
جفاف تاريخي واتفاقية مائية “مثيرة للجدل” مع تركيا
وتأتي هذه التطورات في ظل واقع مائي مرير، حيث يعيش العراق حالياً أسوأ موجة جفاف منذ عام 1933، بحسب وزارة الموارد المائية.
وأكدت الوزارة أن إيرادات نهري دجلة والفرات تراجعت إلى 27% فقط مقارنة بالعام الماضي، وأن الخزين المائي في السدود والخزانات انخفض إلى 8% من طاقته التخزينية، بنسبة تراجع بلغت 57%.
يُضاف إلى هذا القلق المائي الاتفاقية المائية التنفيذية التي وقعها العراق مع تركيا خلال زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى بغداد في الثاني من تشرين الثاني 2025. هذه “الوثيقة التاريخية” أثارت موجة من الجدل والمخاوف في الشارع العراقي حول مدى التنازل عن حقوق العراق المائية في ظل سياسات دول المنبع.
ويحذّر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وبيئية خطيرة ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة وحلول مستدامة للتعامل مع التغير المناخي وضمان الأمن المائي للعراق.
