يعتقد أغلب الناس بأن الثقافة تقتصر على تحصيل المعلومات النظرية في مجالات الأدب والعلوم، وهناك من يظن بأن الثقافة تقتصر على الجانب النظري في مجالات الحياة المختلفة، لكن الثقافة لا تنحصر في المجال التنظيري فقط، فهذا تصوّر أو فهم خاطئ لأن الثقافة تعني أن يتقن الإنسان ما يجعل من حياته أفضل.
ولا شك أن صحة الإنسان تتقدم على سواها، فما فائدة أن ينجح الإنسان في مجالات الحياة الأخرى كالعمل والدراسة وجمع الثروة، وهو عليل الجسد، لأن نقص الصحة واعتلال جسد الإنسان ينعكس على عقله، لأن العقل السليم في الجسم السليم، لهذا يجب أن تتقدم صحة الإنسان على كل شيء في حياته، حتى يستطيع النهوض بمسؤولياته الأخرى، كالاهتمام بأسرته وأطفاله وبنفسه ومستقبله، فكل هذه الأهداف سيفشل فيها إذا كان معتّل الجسد.
مخرجات الصحة تعتمد على المدخلات مثل غيرها من الأمور، فإذا كانت المدخلات جيدة تكون المخرجات نافعة، معنى في المجال الصحي إذا ثقَّف الناس أنفسهم صحيّا، وفهموا وقرأوا وطبقوا ما يتعلق بالوقاية من الأمراض، فهذا يعني بأنهم يقومون بالمدخلات الصحيحة، ويتعلمون ويثقفون أنفسهم صحيا، وأمر طبيعي أن تكون المخرجات الصحية جيدة، لأن الإنسان ثقَّف نفسه في المجال النفسي وتعلم كيف يحمي نفسه من الأسباب التي تطيح بصحة جسده، لهذا لابد أن يقرأ ويتابع ويتعلم كيف يتوقّى صحيا حتى يحمي جسده وعقله من الاعتلال.
بالطبع كل إنسان لابد أن يتحرك ويختلط بالآخرين، هذه هي بيئة العمل، من النادر أن يعمل الإنسان بمفرده، فإذا كان طالبا سوف يجتمع مع زملائه الطلبة في صف واحد، وإذا كان حلاقا سوف يجمع في محله أناسا يرغبون في قص شعور رؤوسهم، وإذا كان سائق أجرة سوف يختلط مع الناس الذي يركبون معه مقابل الأجرة التي تعيل أسرته.
إذن جميع الناس لابد أن يختلطوا مع بعضهم، هذه هي طبيعة النشاط البشري وحتى الكائنات الأخرى، وهذا الاختلاط يكون على درجات، فسائق سيارة الأجرة الصغيرة يكون اختلاطه أقل من اختلاط الطلبة مع بعضهم داخل الصف التدريس، وكلما كان التجمع البشري أكثر كانت فرص انتشار الأمراض أوسع وأقوى، والمخاطر الصحية أكبر، وهذا يتطلب من الجميع تحصيل الثقافة الصحية الأدقّ والأفضل، والأمر يعتمد على جانبين لغرض تحسين المدخلات الصحية وهذا يتطلب مسؤوليات متعددة منها:
أولا: المسؤولية الفردية
كل إنسان هو مسؤول عن ثقافته الصحية بالدرجة الأولى، نعم هناك من يحثه عليها وربما يساعده ويعلمه ويوجهه، ولكن إذا لم يكن هو المبادر الأول والفاعل الأكبر في تثقيف نفسه صحيا لا يمكن أن يتحقق هذا الهدف بجودة عالية، فما فائدة أن تثقفني المدرسة أو العائلة وأنا أساسا غير مستعد للتعلم، لهذا يجب أن تتصدر المسؤولية الشخصية مهمة التحصيل الصحي، وأن يكون للفرد اندفاع باتجاه تنمية معلوماته وحلوله الصحية ووقاية نفسه من الأمراض كذلك يجب أن يتحلى بالاستعداد النفسي للتثقيف الصحي.
الطلبة ـ كما نعرف جميعا ـ يتجمعون في الصفوف وكل صف فيه عدد من الطلاب يصل أحيانا إلى عدد كبير ربما يتجاوز الخمسين طالبا أو طالبا، وهذا يجعل من الطالبة أو الطالبة هدفا سهلا لاستقبال الفايروسات الضارة، لاسيما أن بداية السنة الدراسية تبدأ مع حلول الخريف (تغيّر الجو) ثم فصل الشتاء البارد الذي يساعد على انتقال الأمراض بين الطلبة، لذلك يجب أن يتم اتخاذ التدابير الفردية بشكل مدروس وهذا يحتاج إلى ثقافة صحية جيدة.
ثانيا: المسؤولية الرسمية
لا يمكن أن تتحقق الثقافة الصحية من دون تخطيط حكومي رسمي، تتحمله وزارة الصحة أولا، وكذلك لابد على إدارات المدارس والجامعات أن تنهض بمسؤوليتها في هذا الجانب، وأن تتمسك بالمدخلات الصحية المناسبة حتى تساعد الطلبة على تحصيل الثقافة الصحية، وهذا بالطبع يشمل جميع البيئات الأخرى، مثل العمال في المعامل، أو أفراد القوات الأمنية، فالجميع يجب أن يحصلوا على الدعم الرسمي لتمتين الثقافة الصحية لجميع الأفراد.
كل إنسان هو مسؤول عن ثقافته الصحية بالدرجة الأولى، نعم هناك من يحثه عليها وربما يساعده ويعلمه ويوجهه، ولكن إذا لم يكن هو المبادر الأول والفاعل الأكبر في تثقيف نفسه صحيا لا يمكن أن يتحقق هذا الهدف بجودة عالية
ثالثا: مسؤولية التثقيف الصحي الإعلام
قضية النهوض بالثقافة الصحية عملية متعددة المسؤوليات، ومنها مسؤولية الإعلام، حيث يتوجب على وسائل الإعلام المختلفة لاسيما الرسمية أن تقدم دائما وبشكل مستمر برامج تثقيفية صحية يحصل عليها الجميع بطريقة سهلة ومجانية أيضا، حتى لا يكون فرض رسوم سببا في عزوف الناس عن مثل هذه المعلومات الصحية المهمة، ونخص منها بعض الدورات الصحية التي يجب أن يتم تقديمها للطلبة مثلا، أو التجمعات الأخرى. هذه المدخلات، تؤدي إلى نتائج (مخرجات) ممتازة في مجال الوقاية الصحية في المدارس وتجمعات العمل المختلفة، وحتى المجتمع ككل، يمكن أن يصبح مجتمعا مثقفا صحيا، ومحميا من الأمراض المعدية التي تنتشر عن طريق التنفس أو التلامس أو الاختلاط بأنواعه، وبهذا ننهض بالصحة والوقاية من الأمراض لعامة المجتمع.
