قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً * أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (76* قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً}.
لماذا نجد في المجتمع الاسلامي المتميزين والقادة سياسيا واجتماعيا وثقافيا من المتدينين؟
لماذا يتسامى المتدينون اكثر من غيرهم؟
في المقابل نجد الذين لا يلتزمون بتعاليم الدِين ينتكسون في حياتهم؟
الجواب: إذا التزم الانسان بتعاليم الدِين ينجح في كل مناحي حياته، لان الدِين يأمر بالتعاون، والتعاون ركيزة أساسية في النجاح، فمن يتعاون مع الآخرين ويمد لهن يد العون والصلة، فلا شك أنهم سيتعاون معه، لان الانسان بحاجة الى غيره في هذه الحياة، ولا يمكن ان يعيش الانسان وحيدا ويريد النجاح، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. فيدخل تحت البر كل عمل يهدف الى نجاح الفرد والمجتمع، والتقوى هي التزام الحدود الالهية في التعامل مع الآخرين.
ايضا يأمر الدِين بحسن التعامل مع الآخرين، وهذه دعامة أخرى واساسية في نجاح الانسان كفرد، لان من لم يحسن التعامل مع الناس، لن ينجح في حياته، فالناس يحبون الانسان الودود، المتآلف معهم، الذي يُحسن العِشرة معهم، قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، وقال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، وغيرها الكثيرمن الآيات الشريفة التي تأمر بحسن التعامل مع الناس. عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ : “إِنَّ أَعْرَابِيّاً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله ، فَقَالَ لَهُ: أَوْصِنِي، فَكَانَ مِمَّا أَوْصَاهُ: تَحَبَّبْ إِلَى النَّاسِ يُحِبُّوكَ”.
لذلك نجد ان المتديّن يمتلك روح التسامي لانه هدفه في الاخير ليس احراز النجاح الذاتي ـ وإن كان مطلوبا في بعض الامور ـ إلا أن هدفه الأساسي والأخير هو تقديم الخدمة للمجتمع والأمة، فهو بعيد عن الأنانية والذاتية، فهو لا ينجح ويترك أخيه المؤمن فاشلا في حياته في أي جانب من جوانبها، والمؤمن لا يسكت عن الاخطاء في المجتمع، بل يسعى الى تصحيحها، لذلك فهو يبحث عن الوسيلة لانقاذ المجتمع من الاخطاء، ولهذا فهو يسعى الى التكامل حتى يحقّق تلك الاهداف السامية.
أسباب النجاح
في طريق الانسان المؤمن الى القمة السامقة لتحقيق التطلعات وانجاز الاهداف لابد ان يوفر مجموعة من الاسباب منها:
- العلاقة الايجابية مع الله:
بناء علاقة سليمة مع الله تعالى يمثل الدعامة الاولى والاخيرة في كل نجاح يحرزه الانسان المؤمن، لان هذه العلاقة ستنعكس واقعا في الحياة.
وتعزيز العلاقة مع الله وتقويتها يكون عبر عدة امور منها: استحضار النعم الإلهية من شأنه ان يقوّي العلاقة بين العبد وربه، ونعم الله كثيرة على الانسان {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}.
وفي هذا الطريق يكون النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، ومن ثَم الائمة من بعده أسوة في هذا المجال، فقد كانوا على درجة عالية في علاقتهم بالله ـ تعالى ـ، فحياتهم كلها كانت في سبيل التقرّب الى الله في كل عمل يقومون به، سواء كان علما عباديا أم غيره، ويتجلى هذا الجانب بوضوح في عباتهم وخضوعهم للباري ـ جل شأنه ـ.
بناء علاقة سليمة مع الله تعالى يمثل الدعامة الاولى والاخيرة في كل نجاح يحرزه الانسان المؤمن، لان هذه العلاقة ستنعكس واقعا في الحياة
وفي هذا الصدد ـ في سبيل تعزيز جانب العلاقة مع الله ـ لابد للانسان المؤمن ان يجعل قيمة للعمل المستحب، ويضيفه الى حياته في أي جانب كان، فالاهتمام بالمستحبات يدعّم الصلة بالله فضلا عن اداء الواجبات، لان الانسان المؤمن يدرك ان ترك المستحب قد يقود الى ترك الواجب، وفعل المكروه قد يسوق الى ارتكاب المحرّم، لذلك يقول احد العلماء الافاضل في ما معنى كلامه: ان فعل المستحب يؤدي الى الاقبال على الواجبات، وترك المكروهات ينزّه الانسان عن المحرمات.
2. تقديم الخدمة للمجتمع والأمة:
من الامور التي تسبّب النجاح هو ان لا ينجح الانسان وحده ويترك مجتمعه وأمته، وهنا يبرز دور القائد {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}، فالأنانية لا موضع لها عند الانسان المؤمن، فهو يشارك الاخرين نجاحه.
3. التواصي:
قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر}. التواصي ركيزة أساسية في نجاح أي إنسان، لذلك لا نجد أي إنسان ناجح في أي جانب كان وهو لا يستشير او يسمع مع الآخرين، لان الفرد او التجمع الناجح هو الذي يسوه حالة التواصي لان ” من استبد برأيه هلك” و “رحم الله من جمع عقول الناس الى عقله”.
إن الالتزام بالتعاليم الدينية يجعل الانسان فالحا في حياته، لان من يسير وفق هذه التعاليم لا شك ان سينجح، لان الدِين بتعاليمه يعبّد الطريق أمام الانسان ليحقق أهدافه السامية.
___________
(مقتبس من درس الاخلاق لسماحة المرجع الديني محمد تقي المدرسي دام ظله)
