أكدت التجارب على صحة نصوص واردة عن المعصومين حول شخصية المرأة الناجحة أنها لن تكون كذلك ما لم تسبقه مراحل النمو العاطفي والعقلي منذ الطفولة وحتى المراهقة والشباب بين أحضان والديها.
الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، أول من أشار الى هذه الحقيقة الرائعة بأن المرأة –الفتاة، لن تكتسب كرامتها إلا بين أسرتها، في الحديث المشهور عنه، صلى الله عليه وآله، في صفات المرأة النموذجية بأن “خير نساؤكم… العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها”، مع الالتفات الى المعنى الإيجابي ل “الذليلة”، وليس السلبي، وهو المسايرة والانسجام.
هكذا نعرف عظمة شخصية العقيلة زينب ابنة أمير المؤمنين، عليهما السلام، في ذكرى مولدها السعيد، فعندما نتحدث عن رجاحة عقلها، و قوة شخصيتها، فإنما نتحدث عن البيت العلوي والفاطمي الجامع للكمالات والفضائل، وفي ارجائه تكون الفرصة للنمو في المجالات كافة وفق النظم والقيم التي جاء بها رسول الله، ف”التربية الإسلامية تريد للفرد ان ينمو نمواً متوازناً داخل نفسه من خلال ضبط سلوكه وتكوين الرقابة الذاتية لديه نتيجة نمو الضمير المحاسب الذي يمتثل لأوامر الله –تعالى- ونواهيه، فقد جاء الإسلام لتُطابق أحكامه وشرائعه وآدابه، مقتضى الفطرة البشرية، واذا اختلفت علاقة الانسان بنفسه، فانها ستؤثر حتماً في حياته وسعادته وصحته ايضاً، وفي علاقته مع ربه، ومع الآخرين”. (القيم التربوية في سيرة السيد زينب- الدكتورة سادسة حلاوي، رحمها الله).
وفي هذا المؤلف القيّم تذكر الدكتورة المغفور لها، تسع قيم عملت العقيلة زينب على تنميتها في نفسها منذ فترة الطفولة والصبا، وحتى مرحلة الشباب داخل كيان الأسرة، نذكر أهم هذه القيم السامية:
- قيم العلم
“تمتعت السيدة زينب بقدرات علمية فائقة منذ فجر صباها، فقد حفظت القرآن الكريم وأحاديث جدها المصطفى فيما يتعلق بأحكام الدين وقواعد التربية وأصول الاخلاق، وكانت تنوب عن أخيها الامام الحسين في حال غيابه فيرجع اليها المسلمون في المسائل الشرعية، ولسعة معرفتها، كان الامام زين العابدين يروي عنها كما روى عنها عبد الله بن جعفر وفاطمة بنت الحسين، ولما كانت في الكوفة في عهد أبيها امير المؤمنين، كان لها مجلساً خاصاً تزدحم عليه السيدات، فكانت تلقي محاضرات في تفسير القرآن الكريم”.
2. قيمة الشجاعة
جسّدت العقيلة زينب الشجاعة بأروع صورها في مواجهة الظلم والباطل والانحراف، فهي لم تكن شجاعة داخل بيتها وأمام زوجها، او اقربائها، بل أمام طاغية واهم بقوته وقدرته مثل؛ عبيد الله بن زياد عندما أراد النيل منها بقوله: “الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم….”، فجاء ردّها المزلزل: “الحمد لله على أكرمنا بنبيه وطهّرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا يا بن مرجانة”!
وموقف مشابه وأكثر حدّة في الشام مع يزيد عندما واجهته بالقول: “ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك! إني لاستصغر قدرك، واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء”، ولا ننسى أن هذه الكلمات لا تخرج من امرأة تقف خلف منصّة الخطاب في جامعة أو مؤتمر، او حتى في شارع محاطة بالمؤيدين والحُماة، وإنما في حالة من الصعب تخيّلها، فهي أسيرة، ومفجوعة، وسط جمع هائل من الشامتين والحاقدين على أهل بيت رسول الله.
3. قيمة العقل
العقيلة زينب تنفي الانطباع السلبي الشائع عن كون المرأة “ناقصة العقل”، فقد أثبتت قدرة المرأة على أن تكون عاقلة وحكيمة في تصرفاتها وأعمالها بالحياة، فمن “خلال عقلها ووعيها أكملت الثورة التي خطط لها الامام الحسين، عليه السلام، فكانت خطبها واحتجاجاتها، دليل على العقل الواعي والتفكير المنطقي السليم الذي أظهر الحق وطمس الباطل”، الى جانب كيفية إدارتها لوضع النساء المسبيات والأطفال الايتام منذ الساعات الأولى بعد انتهاء معركة الطف، وحتى آخر لحظة من مسيرة السبي، وهي فترة طويلة جداً، إن كانت بعدد أيام وأسابيع، فهي في حساب الحرمات المنتهكة لأهل بيت رسول الله، تُعد سنين طوال، لما لاقوه من عذاب وألم.
4. قيمة الحياء
مرة أخرى نشير الى دور البيت والأسرة في بناء شخصية الفتاة والمرأة المستقبلية المؤثرة في مصير المجتمع والأمة، وابرز صفة تحملها الفتاة من أسرتها؛ الحياء، فإن كان حمل البيت هذه الصفة عند الأم والأب، فمن الطبيعي ان تتجمّل الفتاة به أمام افراد المجتمع، أما في غير هذا فمن الطبيعي ايضاً والمؤكد أن الفتاة ستجد أشياء أخرى تتجمّل بها وتظهر أمام المجتمع.
تذكر لنا الروايات أن امير المؤمنين، عليه السلام، كان يصطحب ابنته لزيارة مرقد جدها المصطفى ليلاً، ويأمر بإطفاء أضواء المسجد لئلا ينظر أحد الى شخصها الكريم. وقد أجمع المؤرخون على رواية يحيى المازني بأن “جاورت أمير المؤمنين في المدينة مدة مديدة، فو الله ما رأيت لزينب شخصا، ولا سمعت لها صوتا”.
العقيلة زينب تنفي الانطباع السلبي الشائع عن كون المرأة “ناقصة العقل”، فقد أثبتت قدرة المرأة على أن تكون عاقلة وحكيمة في تصرفاتها وأعمالها بالحياة
هذه الصفة وصفات أخرى كثيرة، تمثل القمة في التهذيب والورع والتقوى والخلق الكريم، فهي مسألة نسبية حسب الظروف الزمانية، ومستوى الاستيعاب والتفاعل، فربما يكون في زمن او مكان ما، بنسبة عالية من الفتيات والنساء، وفي زمان ومكان آخر بنسبة أقل، ولكن؛ تبقى القاعدة ثابتة نقف عليها، ومدرسة رصينة تخرّج الفتيات والنساء والأمهات والزوجات الناجحات في كل شيء بالحياة.
وطوبى لمن تغترف من معين عقيلة بني هاشم بأكثر ما تتمكن، لاسيما في هذه الأيام، حيث تعزّ علينا الطرق الصحيحة في التعامل، والنموذج الصالح للسلوك، رغم كل ما لدينا من نصوص وتراث لأهل بيت رسول الله، صوات الله عليهم أجمعين.
