الأخبار

ديوانية العمل الرسالي تستعرض تحديات الأمة ومحورية الصبر في طريق التغيير

الهدى – قم المقدسة ..

في أجواءٍ فكريةٍ وإيمانيةٍ اتسمت بالحوار الواعي والعميق، عقدت ديوانية العمل الرسالي جلستها الأسبوعية المفتوحة مساء السبت ليلة الأحد، الموافق 25 أكتوبر 2025م، في مدينة قم المقدسة، والمخصصة لتقديم قراءة رسالية لأبرز الأحداث على الساحة البحرانية، إلى جانب تناول مختلف قضايا الأمة الإسلامية.

طريق التغيير بين المشقة والرجاء

وتحدث خلال الجلسة سماحة الشيخ عبد الله الصالح، نائب الأمين العام لجمعية العمل الإسلامي، مستعرضًا جملةً من المحاور والمستجدات، مستهلاً حديثه برؤية مهمة تحت عنوان “العمل الجاد بين المشقة والرجاء: دروس من صبر الرسل عليهم السلام”.

وأشار الشيخ الصالح إلى أن النفس البشرية تميل بطبيعتها إلى السهولة والنتائج السريعة، غير أنّ طريق التغيير الحقيقي محفوفٌ بالمشقة، ولا يتحقق إلا بالصبر والثبات.

واستشهد بقول الله تعالى في سياق غزوة بدر: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، موضحاً أن المؤمنين رغِبوا في النصر السهل، لكنّ الله أراد إظهار الحق عبر طريق “الشوكة”؛ أي طريق التحدّي والمواجهة، وهو النهج الذي سار عليه الأنبياء جميعاً، من نوح وإبراهيم وموسى ومحمد عليهم السلام، الذين لم يغيروا الواقع بالراحة، بل بالصبر على الأذى والتكذيب والعمل رغم قلة الناصر.

وبيّن الشيخ الصالح، أن الصبر ليس مجرد تحمّل، بل هو ثبات على الهدف وثقة بوعد الله، داعياً كل من أراد الانتساب إلى نهج الإصلاح أن يربّي نفسه على قبول “ذات الشوكة”، وأن يدرك أن المشقة دليل صدقٍ وبوّابة نصر، مؤكداً أن طريق العمل الرسالي لا يخلو من التعب والخذلان، لكن من يسير على درب الرسل لابد أن يتزود بصبرهم، موقناً بأنّ التغيير يُنتزع بالصبر والعمل والتوكل.

تصدع الغطرسة الأمريكية الصهيونية ولحظة الانكشاف والوعي

ووصف الشيخ الصالح المرحلة المفصلية الراهنة بأنها تشهد تجلّي الغطرسة الأمريكية الصهيونية في أوضح صورها، من خلال الدعم المطلق للعدوان والتجاهل الصارخ للقانون الدولي.

غير أنه أشار إلى أن هذه الغطرسة بدأت تتصدّع وتُظهر علامات الوهن، لتكشف عن هشاشة المشروع الذي طالما أراد أن يوهم العالم بصلابته.

وأوضح سماحته، أنّ أمريكا نفسها تشهد تصاعداً غير مسبوق في الاحتجاجات الشعبية، تقودها أجيال شابة ترفض التواطؤ مع الاحتلال، بينما يتفجّر داخل الكيان الصهيوني الغاصب حراكٌ احتجاجيٌ متواصل يطالب بوقف الحرب، في مؤشرٍ على أزمة داخلية بنيوية.

ورأى الشيخ الصالح أنّ هذه اللحظة هي فرصة وعيٍ وانكشافٍ كبرى، ينبغي أن تُستثمر بجدية ومسؤولية من خلال الموقف الواعي لكشف الزيف الإعلامي، والتحشيد الشعبي لدعم المقاومة وفضح الكيل بمكيالين، والمقاومة الشاملة التي تمتد من الميدان إلى الكلمة والمقاطعة.

وأكد سماحته أنّ طريق التحرير يُشق عبر “ذات الشوكة” التي تحدث عنها القرآن الكريم، مشدداً على أن العجز الأمريكي في مقابل التوحش الإسرائيلي يؤكد حالة التآكل الداخلي للمشروع الصهيوني الأمريكي، ما يصب في صالح قوى المقاومة والمستضعفين.

البحرين: مستجدات إنسانية وحقوقية تتصدر المشهد الوطني

وفي الشأن البحراني، تناول سماحة الشيخ عبد الله الصالح ما تشهده الساحة من مستجدات إنسانية وحقوقية متسارعة، بدءاً بقضية المواطن المفقود عبدالله حسن (41 عامًا) بعد اصطدام دورية خفر السواحل بقاربه أثناء رحلة صيد.

واستعرض الشيخ تفاصيل الحادثة المؤلمة وشهادة الشاهد، مشيراً إلى أن الدورية لم تبادر في الإنقاذ، رغم علمها بسقوط أحد الصيادين، وإلى أن القضية هزّت وجدان الرأي العام، حيث ما يزال مصير حسن مجهولًا وسط جهود الأهالي والغواصين المتطوعين، ووقفات تضامنية للمطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، مؤكداً أن حماية الأرواح أولوية لا يجوز أن تخضع لأي اعتبارات أخرى.

كما تناول تطورات الوضع داخل سجن جو المركزي، حيث يواصل السجناء السياسيون، ولا سيما في مبنى (12)، إضرابهم عن الطعام للأسبوع الثالث ضمن فعاليات (حقنا ثابت)، مطالبين بالإفراج غير المشروط.

وبيّن الشيخ أن إدارة السجن لم تُبدِ أي تجاوب، ما أدى إلى تدهور الحالة الصحية لعددٍ من السجناء، من بينهم جعفر رضي وجاسم الإسكافي، وسط حرمان من الرعاية الطبية، مشيراً إلى أن هذه التطورات تعكس عمق الأزمة الحقوقية وتستدعي تحركًا عاجلًا للضغط نحو الاستجابة للمطالب العادلة وعلى رأسها الإفراج غير المشروط.

وخُصص جزء من الحديث لتسليط الضوء على قضية الناشط وسجين الرأي علي محمد الشويخ، المعتقل منذ عام 2018م بعد ترحيله القسري من هولندا، والذي يخوض منذ 6 أكتوبر الجاري إضرابًا مفتوحًا عن الطعام داخل سجن جو المركزي، احتجاجًا على استمرار اعتقاله وسوء ظروف الاحتجاز.

وأعرب سماحته عن قلقه من المخاطر الصحية التي تهدد الشويخ نتيجة الإهمال الطبي، وتناول البيان الحقوقي الصادر عن سبع منظمات بحرينية ودولية، والذي دعا الحكومة الهولندية إلى التحرك العاجل لإنقاذ حياة الشويخ والإفراج عنه.

وشدد الشيخ الصالح على أن ما يجري في البحرين يعبر عن حاجة وطنية وإسلامية لإصلاحٍ حقيقيٍ وشاملٍ، يؤكد على الكرامة الإنسانية والعدالة والمواطنة المتساوية، مؤكداً أن الوعي الشعبي والتضامن الإنساني هما الركيزتان اللتان تبقيان الأمل قائماً في استعادة الحقوق.

استهداف المكوّن الشيعي في العراق وسوريا ولبنان

وفي محور آخر، تناول الشيخ الصالح تطورات الساحة العراقية، مسلطًا الضوء على الانتخابات المقبلة وحجم الاستهداف الخارجي الذي يتعرض له المكوّن الشيعي في العراق، مؤكداً أن العراق يعيش مرحلة مفصلية تتسم بتكثيف الضغوط والتدخلات الأمريكية والصهيونية والخليجية، والهدف هو إقصاء الشيعة أو تقليص حضورهم في مراكز القرار، لكونهم يمثلون مشروعًا وطنيًا مقاومًا للهيمنة الأجنبية.

ودعا الشيخ الصالح أبناء العراق إلى الوعي الشعبي والمشاركة الواعية في المسار الانتخابي، مؤكداً أن المعركة ليست انتخابية فحسب، بل هي معركة وعي وكرامة.

وواصل الشيخ حديثه متناولاً أوضاع الساحتين اللبنانية والسورية وما تشهدانه من استهدافٍ متصاعد للشيعة، مؤكدًا على وجوب التضامن والتكافل مع الشعبين.

وأوضح أن التحديات في هذين البلدين تأتي في السياق نفسه الذي يُستهدف به الشيعة في العراق، إذ تهدف قوى الهيمنة إلى إضعاف التيار المقاوم وإقصاء المكوّن الشيعي، لما يمثّله من عقيدةٍ ثابتة وامتدادٍ رساليٍّ مقاومٍ للظلم، مشدداً على أن الصعوبات الاقتصادية والسياسية هي نتيجة للحصار والعقوبات والتدخلات الخارجية.

وختم بالتأكيد على الإيمان بوعد الله تعالى وأن النصر الموعود قادم لا محالة، داعياً إلى تجديد روح الصبر والوحدة، وأن استهداف الشيعة في أكثر من ساحة يفتح أمامهم أبواب الوعي والتمكين، لأنهم أصحاب مشروع إيمانيٍ متجذّرٍ.

وفي ختام الجلسة، فُتح المجال أمام المشاركات والنقاشات الهادفة من الضيوف والنخب الحاضرة، حيث قُدّمت رؤى تحليلية ومعالجات عملية لمواجهة الهيمنة، تناولوا خلالها سبل الفعل الشعبي، وتطوير أدوات الضغط الإعلامي، وتعزيز التنسيق بين القوى المجتمعية.

وتواصل ديوانية العمل الرسالي عقد جلساتها الأسبوعية لمناقشة القضايا الفكرية والاجتماعية بروحٍ رساليةٍ واعية، في إطار سعيها لبناء وعيٍ مجتمعيٍ مستنيرٍ يقوم على الإيمان بالواجب، والإصرار على طريق الإصلاح مهما اشتدّت التحديات.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا