فکر و تنمیة

البقاء في الماضي: فقدان الماضي وضياع المستقبل

من منا لم يمر بمنعطفات حياتية صعبة وخبرات قاهرة في الماضي سواء البعيد او القريب؟ ومن منا لم يتذوّق مرارة ما حصل معه ولازال يتذكره بحسرة والم؟ ومن منا سارت حياته على وتيرة واحدة دون انتكاسة هنا او عرقلة هناك؟

 منطقياً لايوجد فينا احد إلا واصابته الحياة بسهامها وتلك هي طبيعة الحياة وهكذا يراد لها، لكن الفرق بيننا هو التعامل مع ما يحصل وكيف يجب ان يتم تخطيه والتعامل معه من دون البقاء بازمة البقاء في الماضي.

مشكلة العيش في الماضي هي حالة نفسية تجعل الشخص ينغمس في تفكير مكثف في أحداث وتجارب الماضي، مما يعيق تركيزه على الحاضر والمستقبل، وقد يؤدي إلى مشاعر الحزن والندم و ضعف الثقة بالنفس، وصعوبة في التقدم في الحياة، مما يؤثر على عموم صحة الانسان النفسية والجسمانية وبالتالي تنخفض جودة الحياة بالنسبة لذلك القابع في الماضي.

طبيعة الانسان ان يتعامل مع مستجدات حياته باستجابات آنية، فلو تعرض لموقف محزن او مزعج او متعب فإنه يحزن وينزعج ويتعب، ولو تعرض لموقف فرح سيفرح، فلكل ظرف استجابة مناسبة لذلك الظرف وهذا هو الطبيعي، لكن عدم القدرة على الاستجابة المناسبة يعد مؤشراً واضحاً تدني مستوى الصحة النفسية ويشكل خللاً نفسياً يبعد الانسان عن حالة السواء والراحة.

 ماهي ارتدادات العيش في الماضي؟

حين يبقى الانسان عالقاً بماضيه فإنه سيواجه المشكلات التالية:

اُولى ارتدادات التعلّق بالماضي هي اصابات الانسان بمشكلات نفسية مثل الاكتئاب والاحباط والقلق والميل الى الانزواء والرغبة في الوحدة مما يؤدي بالضرورة انخفاض تقدير الذات وانعدام الوعي بالذات مما يقلل من انتاجية الانسان على الكثير من المستويات.

والارتداد الثاني للبقاء في الماضي هو الانغماس في الأحداث السلبية الماضية يؤدي إلى الحزن المستمر وعدم القدرة على الشعور بالسعادة والفرح وإن كان الموقف يستدعي ذلك، ومثل هؤلاء الاشخاص يعيشون حزناً كبيراً ولا يحاولون التخطي لاي سبب كان ما يزيد حياته عتمة وفقدان للشغف.

ومن الارتدادات السلبية ايضاً لتعلّق الانسان بماضيه هو عجزه عن تأسيس علاقات اجتماعية جديدة، وقد يتجاهل الشخص العلاقات الحالية بسبب الانغماس في الماضي، فهو لا يمتلك المرونة النفسية الكافية للتعامل مع المواقف حسب انواعها مما يجعله قابعاً تحت سطوة الماضي المؤلم.

ويعاني الانسان الذي يعلق بماضيه من صعوبة في التقدم والنمو، فالعيش في الماضي يمنع الشخص من التركيز على أهدافه الحالية وتطوير نفسه في الحاضر والمستقبل مما يجعله مقتنعاً بما هو عليه، وليس لديه ادنى نية للتجديد في ذاته وتطويرها وهذا هو الفشل بأم عينه.

كما من ارتدادات العايش في الماضي انه يحفز استرجاع الذكريات السيئة حضور مشاعر سلبية لحظية، قد ينقلب مزاجك وتشعر بضيق أو غضب حين تتذكر ماضيا قديما، وقد يبدأ جسدك في الاستجابة لهذه الأعراض فيتعرق جسدك، أو تتسارع نبضات قلبك، أو تشعر بآلام في معدتك وغير ذلك من الاعراض الجسدية المرهقة.

كيف نتجاوز الماضي؟

لكي نتغلب على ما ينتج من تعلق الانسان بالماضي ونتعامل معه بحرفية علينا انت نتعامل مع احداث الماضي على انها خبرات تنفعنا في اكتساب القوة والمنعة في سبيل مواصلة الحياة باريحية اعلى، ورغم كون هذه الخطوة قد تبدو بسيطة وليست ذات تأثير، لكنها تساعدنا على إدارة مشاعرنا وأفكارنا تجاه التجارب السابقة بشكل أفضل.

كما ينبغي علينا ان نعيش يومنا ونركز على الأنشطة التي نحبها، ونعزز علاقاتنا الاجتماعية في الوقت الحاضر، وأن ندرك أن اللحظة الحالية هي الزمن الوحيد الذي نتملك مفاتيح والماضي خرج من سيطرتنا ولا يمكننا التحكم.

ومن المهم ان يمارس الانسان الامتنان لنفسه، ويركز على الجوانب الإيجابية في حياته الحالية، ويحاول تحديد الأشياء التي تشعره بالامتنان سواء كانت صحته أو علاقاته أو لحظات الفرح الصغيرة وبهذه الامور يمكن ان يتجاوز الانسان التعلق بالماضي ويتفادى اثارها الوخيمة.   

عن المؤلف

عزيز ملا هذال/ ماجستير علم النفس

اترك تعليقا