إضاءات تدبریة

الإحسان فرصة من السماء لسعادة المجتمع

{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}

كم هي جميلة هذه العبارة في نغمتها اللغوية، ودلالاتها العميقة في نفس الانسان كفرد، وعلاقة هذا الفرد بمحيطه الاجتماعي.

ومضة سماوية تدلنا على أحد اسرار السعادة في حياتنا المليئة هذه الأيام بالازمات والمشاحنات والتناقضات، في وقت يتصور البعض أن طريق السعادة يكمن في مسار التعامل التجاري؛ “أخذ وعطاء”، وهذه العملية من حيث  المبدأ؛ منطقية، نحتاجها في حياتنا اليومية، بيد أن الإحسان يمثل القمّة في العطاء الشامل للمادة والمشاعر والمواقف وكل ما يعيشه الانسان في حياته.

واذا راجعنا القرآن الكريم نجد أنه يُقرن الإحسان بالعدل الذي يُعد أحد أركان العقيدة، ومن خلاله نفهم معنى الربوبية، ونعرف خاصية الإسلام كدين عن سائر الأديان والمذاهب في العالم، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}، “فالاحسان إعطاء كل ذي حق حقه، والإحسان إعطاؤه المزيد”. (لكي لا تهلكوا، انفقوا مما آتاكم الله- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

واقع مرير متعطّش الى الإحسان

بما أن الحُسن يمثل أحد معايير الخير والحق، وأنه يقف بالضدّ من القبح، و ذو علاقة عضوية بفطرة الانسان، فانه يمثل البديل الأفضل لأي جدب في العلاقات الاجتماعية عندما يتحول الى “إحسان” كممارسة وسلوك في المنظومة الأخلاقية والآدابية، وفي مؤلفه القيّم، يذكر المرجع المدرسي عدة مصاديق للإحسان في حياتنا، أبرزها؛ برّ الوالدين لأن “يبدأ الإحسان الى الوالدين اقرب الحلقات الى الانسان، ويتمّ بألا يملّهما الولد، فلا يقول لهما أفّ، ولا ينهرهما اذا سألاه حاجة”، وايضاً؛ الرفق بالزوجة، لاسيما اذا حصل الانفصال بالطلاق، وقد جاء الأمر الإلهي بالإحسان الى الزوجة المطلقة، وهي التفاتة غاية في الأهمية لأوضاعنا البعيدة عن القيم الأخلاقية والإنسانية، عندما يعد البعض الطلاق فرصة للانتقام والعقاب، بينما تقول الآية الكريمة: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، “فينبغي ان يتم الفراق مرافقاً بالاحسان، كالعفو عنها والسكوت عن مساوئها، وامتاعها ببعض المال وما اشبه”.

ومن أروع مصاديق الاحسان؛ العفو عن هفوات وسيئات الاخوة في الايمان، يقول تعالى: {وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، ويلفت سماحة المرجع المدرسي الى مسألة دقيقة في طريق توثيق العلاقات الاجتماعية بفضل هذه السمة الأخلاقية الراقية، بأن يتحمل الطرف المعفي عنه مسؤولية “أن يُتبع عفوه بالمعروف، فلا يرتكب جريمة جديدة، وأن يؤدي بالاحسان الى صاحب الحق الأول، باية وسيلة ممكنة؛ بالكلمةالطيبة، او بالانفاق عليه، بقضاء حوائجه”. ويستشهد سماحته بالآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}.

يلفت سماحة المرجع المدرسي الى مسألة دقيقة في طريق توثيق العلاقات الاجتماعية بفضل هذه السمة الأخلاقية الراقية، بأن يتحمل الطرف المعفي عنه مسؤولية “أن يُتبع عفوه بالمعروف، فلا يرتكب جريمة جديدة، وأن يؤدي بالاحسان الى صاحب الحق الأول، باية وسيلة ممكنة؛ بالكلمةالطيبة، او بالانفاق عليه، بقضاء حوائجه

حتى الكلمة الطيبة والموعظة تعد من مصاديق الاحسان لما لها من تأثير في النفوس والقلوب، لذا جاء ارقى وصف للموعظة الناجحة والموفقة بأنها تكون {حَسَنَةٌ}، كما أن مجمل الكلام المتداول بين الافراد يجب الانتباه الى أن يكون ضمن منظومة الاحسان لا الإساءة والاستفزاز والانتقاص؛ {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

مكاسب بالمجان!

بالحقيقة؛ نرى محاولات في الوسط الاجتماعي لجمع الشمل، والتقريب من الشرائح وتوثيق الوشائج على موائد كريمة، كأن تكون في إفطار أيام شهر رمضان، او توزيع السلات الغذائية طيلة أيام السنة، وإقامة الجلسات والملتقيات وغيرها، وكلها أعمال حسنة ومطلوبة جداً، بيد أن الإحسان يأتي كممارسة لا تكلفنا مالاً ولا جهداً كثيراً إلا من موقف مشرّف ننصر به شخص مضطهد ومأزوم، او كلمة طيبة تليّن حالة متوترة.

ربما الكلام يكون سهلاً لتطبيق عملي على ارض الواقع، بيد أنه يستحق الضغط على النفس الأمارة بالسوء، وحالة  الاعتزاز بالذات، لأن البعض يعدون الإحسان في مقابل الإساءة، او تقديم خدمات معينة بمنزلة التنازل والخسارة دون الحصول على مكسب مالي او أرباح معينة، بينما نظرة واقعية الى العلاقات فيما بيننا يتأكد للجميع مدى أهمية وضرورة هذه الفضيلة، لاسيما اذا تحولت ممارسة عملية بين الشباب في المدارس والجامعات، وبين النساء في المناطق السكنية، وبين البائع والمشتري وجميع افراد المجتمع.

فكم من مشكلة وأزمة ربما في طريقها الى الانفجار تسكنها كلمة طيبة، او موقف احساني جميل في اللحظة الحاسمة؟ وكم من علاقة آيلة الى السقوط بين الزوج وزوجته، وبين الابن و والديه، تسكب عليها قطرات من الاحسان فتتحول الى جدار صلب يتكئ عليه الأبناء والاجيال؟

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا