الهدى – متابعات ..
بات العنف المدرسي يشكل ظاهرة تربوية واجتماعية مقلقة، تنذر بآثار سلبية واسعة على البيئة التعليمية في العراق، حيث يساهم في تدني نسب النجاح والتحصيل الدراسي، ويفسد العلاقات داخل المؤسسة التعليمية، فضلاً عن تدهور المستويات الأخلاقية لدى شريحة من الطلبة.
وتتجلى هذه الظاهرة بأشكال متعددة تشمل العنف الجسدي والنفسي واللفظي، وتصدر ممارستها من أطراف العملية التعليمية كافة، سواء كان الطالب أو المعلم أو حتى بعض أعضاء الإدارة.
ويعكس هذا التفشي مؤشراً خطيراً على أزمة حقيقية تكاد تفتك بالمنظومة التربوية والمجتمعية، الأمر الذي يستدعي تحليلاً لأسبابها ونتائجها ووضع حلول جذرية للحد منها.
مسؤولية مشتركة: من الأسرة إلى المدرسة
وتشخص التربوية نورة علي مهدي السعدي، مدرسة اللغة العربية في متوسطة الأحنف بن قيس بناحية خان بني سعد في محافظة ديالى، الظاهرة بأنها “نتاج تفاعل عوامل نفسية واجتماعية وتربوية”.
وشددت السعدي، في حديث لها، على أن مسؤولية معالجة العنف يتحملها الجميع، بدءاً من الأسرة التي تعد النواة المجتمعية ودورها في تصويب سلوكيات الأبناء.
ومروراً بـالمدرسة التي تقع على عاتقها وظيفة تهذيب سلوك المتعلمين من خلال إدامة صلتها بذويهم، وتوظيف تربويين ذوي نفس طويل وأساليب ودية للتعامل مع تعقيدات الجانب التربوي.
واقترحت السعدي أن البيئة المدرسية الآمنة يجب أن تتضمن تفعيل مجلس للآباء والمعلمين بصفة معنوية، ليكون بمثابة حلقة وصل لمعالجة الاضطرابات النفسية والسلوكية للطلاب وإيجاد معالجات تتناسب ومستواهم الذهني، بما يسهم في بناء جيل متوازن نفسياً وأخلاقياً.
وأوضحت السعدي أن العنف المدرسي يتجسد في العنف الجسدي (كضرب المعلم للطالب أو الاعتداء البدني بين الطلبة)، والعنف اللفظي (كالشتائم والسخرية والتنمر والتهديد)، بالإضافة إلى العنف النفسي الذي يتمثل في الإهانة والتحقير والتمييز وتكتلات الطلاب على حساب أقرانهم.
وللحد من هذه الآثار، دعت السعدي إلى تفعيل الحوار الإيجابي داخل الأسرة، والدعم التربوي والإرشادي والنفسي للطلبة دون تمييز، والتدريب على مهارات التعامل مع المشاكسين دون عنف، والتركيز على الأنشطة الترفيهية كالرياضة والفن والمسرح لتعزيز روح الفريق والخروج عن نمطية التعليم الصفية.
الأداء القسري وانهيار القيم الاجتماعية
من جانبه، يحدد المدرس محمد حميد سامي العبيدي، في متوسطة صُنّاع الإبداع بالفلوجة في محافظة الأنبار، الدوافع وراء ممارسة العنف، مشيراً إلى أن العادات الاجتماعية المضطربة والدخيلة هي من أكثر دوافع الطلبة لممارسة العنف، بالإضافة إلى غياب تواصل إدارات المدارس وأولياء الأمور، وضعف المستوى الثقافي والاجتماعي للأسرة، وظروف الحرمان والقهر النفسي التي تُشعر الأبناء بالإحباط وتجعل ردود أفعالهم عنيفة.
وأكد العبيدي، في حديث له، أن إحساس بعض المتعلمين بالإذلال يرتبط بشكل وثيق بـالأداء التربوي القسري، مشدداً على أن التعامل الرقيق والشعور الإنساني والأبوي للمربين يحقق نتائج أكثر قبولاً.
وشدد على ضرورة توظيف المؤسسة التربوية لدورها في كشف معلومات أي مشكلة يعاني منها المتعلم وتبصيره بحلولها، كون النسق التربوي والاجتماعي يمثلان عملاً مترابطاً في حفظ اتزان الطلاب.
كما أشار إلى دور النظام التربوي في تذكير الطلبة بقيم مجتمعهم، وأن منهج التربية الإسلامية يرسّخ العقيدة الفاضلة التي تصنع مواطنين صالحين يسهمون في أمن واستقرار الوطن.
المعلم “المُعنَّف” وتجاهل أولياء الأمور
ومن مدينة البصرة، لم يستثنِ التربوي باسم عبد الرحيم خضير، أسر بعض الطلبة من عوامل استفحال العنف، مؤكداً أن أغلب أولياء الأمور لا يتعاونون في معالجة عنف أبنائهم، ويفرضون آراءهم ويلومون إدارات المدارس، ولا يتقبلون ملاحظات التربويين.
وأضاف خضير، أن بعض أولياء الأمور يعدّون محاسبة التربويين لأبنائهم عنفاً، بينما لا يعتبرون سلوكيات الأبناء كالعراك والكلام البذيء والتجاوز على المعلمين عنفاً، مما جعل المعلم الحلقة الأضعف، بل والمُعنَّف في أغلب الأحيان.
ودعا خضير إلى حماية التربويين من خلال تقصّي الحقائق بالأدلة وتحديد الشخص العنيف من المُعنَّف، وعدم السماح للطلبة المسيئين بالإفلات من المحاسبة لوقف تمادي تصرفاتهم.
غياب الرقابة الأبوية وتدهور المزاج
ويُشخّص الدكتور خليل إبراهيم عناد، الباحث في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أن أحد الأسباب الرئيسية للعنف المدرسي هو غياب الرقابة الأبوية للأبناء وضعف متابعة سلوكياتهم في المدرسة.
وأوضح عناد، أن السلوك العنيف لبعض الطلبة هو انعكاس طبيعي لغياب الرقابة البيتية وعدم محاسبة الآباء، ما يُحدث اضطرابات نفسية حادّة المزاج تبلغ حدّ ممارسة سلوكيات فظة وقاسية في المدارس.
واشترط الباحث التدخل المبكر لمعالجة الظاهرة ووضع لوائح تُنظم علاقة المربي بالطلبة، مؤكداً على ضرورة إبداء أقصى حالات التعاون بين الأهالي والمدارس لمتابعة سلوك الطالب.
وبناءً على هذه التشخيصات، تتبين أبرز أسباب العنف المدرسي في ضعف تواصل إدارات المدارس مع أولياء الأمور، وغیاب دورات تثقیف المربین على التعامل السلیم مع الاضطرابات النفسية للطلبة، وعدم وجود أجواء دراسية مناسبة لطبيعة شباب الجيل الحالي. مما يستدعي خططاً تربوية وتوجهات مجتمعية عاجلة لمعالجة تلك الأسباب وتقنين آثار الظاهرة.
