الأخبار

أزمة الإرشاد التربوي في العراق؛ جيل يواجه التعقيدات بلا سند

الهدى – متابعات ..

في وقت تتزايد فيه تعقيدات المؤثرات الخارجية والتحديات الاجتماعية والتكنولوجية التي تواجه التلميذ العراقي، تشهد مدارس العراق تراجعًا حادًا وكاد يكون اختفاءً تامًا لدور الإرشاد التربوي الحيوي.

وهذا التآكل في إحدى الركائز الأساسية للنظام التعليمي أفرز واقعًا تربويًا مقلقًا، حيث تتحول الانحرافات السلوكية الصغيرة إلى أنماط راسخة في غياب السند التربوي والدعم النفسي الوقائي للتلاميذ.

ويُعتبر الإرشاد التربوي ليس مجرد معالج للمشكلات، بل هو أداة لوقاية الأجيال، وغرس قيم الانتماء والاحترام والمسؤولية، وتنمية مهارات التفكير الإيجابي والتواصل الاجتماعي.

لكن الواقع يكشف عن غياب شبه كامل لهذا الدور، وهو ما يثير قلق أولياء الأمور والمتخصصين الذين يرون أن الدولة فقدت دورها الوقائي في تحصين النشء.

تصاعد السلوكيات السلبية.. مدارس بلا حصانة

ولوحظ في السنوات الأخيرة تصاعد واضح في السلوكيات المرفوضة والمنحرفة داخل البيئة المدرسية في مختلف المراحل الدراسية.

وتشمل هذه السلوكيات التنمر والعنف سواء كان لفظيًا أو جسديًا، والإدمان والمخالفات مثل تدخين السجائر وأحيانًا تعاطي المخدرات، وسلوكيات العصر الرقمي مثل التصوير داخل الصفوف، ونشر مقاطع ساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس نقصًا في “الفهم الواعي لخطورة أفعالهم” حسب التربويين.

ويرى التربوي ياسين المشهداني، أن انتشار هذه السلوكيات بهذا الشكل ما كان ليحدث “لو وجدت منظومة إرشادية فعّالة داخل المدارس”.

ويوضح أن المرشد التربوي يستطيع كشف الميول الخطيرة لدى التلميذ ومعالجتها مبكرًا قبل أن تتطور إلى سلوكيات منحرفة. ويشير المشهداني إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تعزيز هذه السلوكيات بسبب “غياب التوجه التربوي داخل المدارس، وضعف الرقابة داخل الأسرة وخارجها”.

المرشد التربوي.. الحلقة المفقودة

وتؤكد الباحثة الاجتماعية وداد الجميلي، أن غياب المرشد التربوي أدى إلى فقدان حلقة مهمة في التواصل بين التلاميذ والمعلمين من جهة، وبين إدارات المدارس وأولياء الأمور من جهة أخرى.

وتشدد الجميلي على أن “المرشد ليس فقط مجرد موظف إداري، بل هو عنصر فاعل ومهم في بناء شخصية التلاميذ وتوجيهها نحو السلوك السوي“.

وتلفت الجميلي النظر إلى واقع مؤلم، وهو أن “مدارس كثيرة تفتقر لوجود غرفة خاصة بالإرشاد، ولبرامج ممنهجة تهتم بسلوك التلاميذ وتحصنهم من المؤثرات الخارجية”، مما يعكس غياب الدعم المؤسساتي اللازم لهذا الدور.

التحديات المؤسساتية: نقص الكوادر وضعف الدعم

من جانبها، تُقر وزارة التربية بأنها تعمل على إعادة تفعيل مكاتب الإرشاد التربوي، لكنها تعزو التراجع إلى تحديات مؤسساتية أبرزها نقص الكوادر المتخصصة وضعف الموازنات المالية وعدم وجود تشريعات واضحة تنظم عمل الإرشاد.

في المقابل، يرى المتخصصون أن هذه المبررات لا ترقى لحجم الأزمة. ويطالبون بإعادة النظر في البنى المؤسساتية للإرشاد عبر تعيين مرشدين مؤهلين أكاديميًا ومهنيًا وثقافيًا، وتزويدهم ببرامج تدريبية متطورة تتناسب مع التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية.

الباحث جبار المطلك يصف المرحلة الحالية بأنها “تتميز بانفتاح إعلامي واسع وتحديات متزايدة”، مما يجعل إعادة الإرشاد التربوي “ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها”.

ويحمّل المطلك وزارة التربية مسؤولية “حسن إدارة المدارس وتربية الأجيال وتأهيلها وتحصينها”، محذرا من أن “أي إهمال للإرشاد التربوي يعني أن سلوكيات التلاميذ ستكون خطيرة” في مرحلة نموهم الجسدي والعقلي، وهو ما سينعكس سلبًا على المجتمع بأكمله.

خلاصة واستنتاج

وفي ظل غياب الدور الحيوي للمرشد التربوي، يظل التلاميذ العراقيون في مواجهة مباشرة مع مؤثرات خارجية معقدة تفرض تحديات سلوكية ونفسية خطيرة، دون أن يمتلكوا “أدوات كافية للتعامل معها وتلافيها”.

وهذا الواقع يستدعي تحركًا عاجلاً من المؤسسات التربوية والمجتمع المدني معًا لإحياء ثقافة الإرشاد وتحويلها من مجرد وظيفة شكلية إلى ممارسة تربوية فاعلة، لضمان نشأة جيل سوي ومتوازن ومحصن.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا