إضاءات تدبریة

القرآن الكريم يعلمنا كيفية تذوّق طعم الحياة

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، (سورة الانعام- الآية:42-43).

ثمة الكثير من الناس يتساءلون عن سبب تراكم الشدائد والمصاعب لفترات طويلة دون انفراج؟

وربما يخال البعض أنه مخلوق للشقاء وليس للهناء، وهو –بالتأكيد- مجانب لإنصاف الرحمة واللطف الإلهي على البشر في أمور لا تُعد، لاسيما وأن التساؤل يشتد في أوساط المؤمنين بالله وبرسوله، وبالأئمة المعصومين، ومن يعدون انفسهم أنهم، ربما أكثر من في العالم قرباً الى السماء من خلال الأعمال العبادية، وأعمال البر، والأخلاق، والقرب من القرآن الكريم، ومن كلام وسيرة المعصومين، عليهم السلام، وبشكل عام؛ هم الأكثر قرباً من الصراط المستقيم، فهل جزاء الإيمان والأخلاق والالتزام بالدين والاحكام الإسلامية، ضنك العيش، والضغوطات والمنغّصات من كل مكان؟!

لا يماري أحد في الله –تعالى- أرحم الراحمين، وأنه عادلٌ وحكيم في تقسيم الارزاق، وفي قضائه وقدره، إنما مشكلة البعض في استعجاله الأمور، وتجاوز المراحل والشروط المطلوبة لتحقيق ما يريد، وهذا من شأنه إبعاده عن حقائق الحياة المسنونة من قبل الله –تعالى- ضمن قاعدة اللطف والرحمة، فكل ما موجود بالحياة يمثل آية من آيات الجمال، والحكمة، والعدل، يكفي نظرة خاطفة على الامطار والثلوج التي تهطل على المؤمنين والكافرين، ثم تستحيل مياه عذبة للجميع، والمواليد الجُدد كل يوم ببراءتهم ولطافتهم، ثم في تدرجهم نحو النمو والتكامل الى مستويات العلم والمعرفة والعطاء والتأثير البالغ في الحياة، وحتى سلوك الحيوان، وألوان الطبيعة وعطائها، وربما الأقرب والأكثر أهمية؛ ما نحمله في أبداننا من أجهزة دقيقة بالغة التعقيد، تمنحنا الحياة والحركة والاستمتاع بالحياة.

الغفلة بداية الخسارة

في الثقافة الدينية يُطلق على فاقد هذا الشعور بكل هذا بـ “المحجوب”، وهذا الحجاب يتسبب له بـ “الغفلة”، وكثيراً ما أشار القرآن الكريم الى هذه الثغرة النفسية لتذكير الانسان بخطورة الغفلة والحجب النفسية، تقول الآية الكريمة من سورة الأعراف: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ}، والآية الأخرى من سورة النحل، تؤكد العاقبة السيئة لمن يمتلك كل شيء ولا يستثمره في حياته فيكون من: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ}.

يريد الله –تعالى- للإنسان القوةَ والاقتدار في حياته، لا أن يكون ضعيفاً مترنحاً أمام عواصف البلاء والمحن، وكل اشكال الاختبارات، ولعلها تكون من حكم الله في خلقه، وإلا كيف يحرز المؤمنون رضوان الله يوم القيامة، وقبلها الحياة الكريمة في الحياة الدنيا

و عَني علم النفس بحالة الانكفاء والانطواء بعيداً عن معطيات الحياة الإيجابية، والتعكّز على الظواهر السلبية بدعوى “أنها الأمر الواقع الأكثر تأثيراً في الحياة”، وهو ما يجانب حقيقة الابداع والتحدي والتفوق لدى الكثيرين، أما “الذين يركنون الى الكسل والركود، انما تدعمهم في ذلك حجب داكنة تمنعهم من رؤية الجمال وتفصلهم عن ضميرهم، فنحن نرى أن مجتمعاتنا مقيدة بأغلال من مثل الخجل والخوف والتردد، هذه الحجب التي كرستها التربية الخاطئة، مما حالت دون انطلاقة شعوبنا لتحقيق طموحاتها الحضارية، وكل ذلك يعود –بالدرجة الأساس- الى ابتعاد الانسان عن الحقائق وعن الفطرة النقية”. (الابتلاء مدرسة الاستقامة- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

طبعاً؛ لحالة الغفلة أسباب عديدة لا مجال لنا للتطرق عليها، إنما العبرة بالإشارة اليها، ومنها؛ فقدان ملكات أخلاقية تسبب جدب الروح والنفس، تجعل صاحبها كأنه وسط صحراء قاحلة، مثل القناعة، والشكر، والرضى بما قدر الله وقسم لنا من العيش في هذه الحياة، الى جانب حالة الكسل والتواكل التي أشار اليها السيد المرجع المدرسي في كتابه القيّم.

تحدي المشاكل واختبار القوة

يريد الله –تعالى- للإنسان القوةَ والاقتدار في حياته، لا أن يكون ضعيفاً مترنحاً أمام عواصف البلاء والمحن، وكل اشكال الاختبارات، ولعلها تكون من حكم الله في خلقه، وإلا كيف يحرز المؤمنون رضوان الله يوم القيامة، وقبلها الحياة الكريمة في الحياة الدنيا، لولا الإخلاص، والتقوى، والصبر؟ وكيف يحصل الشهداء على أوسمة البطولة لولا التضحية بالأموال والأنفس؟

هذا واضح؛ إنما نريد نحن البشر معرفة طريقة النجاح في اختبار الشدائد بالحياة.

بالإمكان الإشارة الى خطوتين في هذا المسار بالاستفادة الى ما توصل اليه الباحثون والعلماء في مجال الفكر الديني:

الأولى: العودة الى الفطرة النقية التي فطر الله الناس عليها، ونطلق عليها “الضمير”، الذي يعد مثل الجندي المجهول في ساحة المواجهة بين قوى الخير وقوى الشر، فهو لا يخون، ولا يُخطئ بالمرة، فهو المُدل على الإيجابية وعلى الخير والصلاح والأخلاق ما دام حيّاً في كوامن البشر، واذا عجز عن كل هذا نعرف إنه في عداد الأموات.

ومن هذه الخطوة يتفرع سؤالٌ مهم آخر: وكيف يمكننا العودة الى الفطرة السليمة، أو أن ننتبه اليها، بعبارة أكثر دقة؟

إنها المبادرة السريعة في الوقت المناسب للانتماء الى الجماعة الصالحة المعبّرة عن قيم الحق والفضيلة، كما فعل عدد من رجال الجزيرة العربية في الأيام الأولى لبزوغ فجر الدعوة الإسلامية، عندما انضموا الى دعوة الرسول بعد أن تحفزت عندهم الفطرة السليمة فلامسوا رقّة القيم والمبادئ الإنسانية التي جاء بها رسول الله من وحي السماء، مثل: الحرية، والمساواة، والعدل، والأخوة، والتعاون، مما يجعل الانسان ينطلق في رحاب العمل والعطاء مذللاً كل العقبات النفسية والاجتماعية.

أما الخطوة الثانية: النظرة الواقعية الى الحياة، وأنها تسير وفق قانون الأسباب، وليس دائماً محفوفة بالمعاجز والطلبيات الجاهزة، حتى مع أعلى درجات التضرع والدعاء والتوسل بأولياء الله –تعالى- لقضاء دَين مستعجل، او لشفاء مريض، او حتى للخلاص من حاكم ظالم، او عدو غاشم، “فقد يتصور الانسان أنه من المقربين الى الله –تعالى- وأن دعاؤه مستجاب، ولكن عندما تحيط به الازمات، وتنزل عليه الكوارث، فانه سيستغيث حينئذ بخالقه، ولكنه يكتشف ان دعاؤه لا يستجاب، ذلك لأن مقاومة الازمات ومواجهة المحن بحاجة الى عمل دؤوب وتضحيات مكثفة وإرادة صلبة”. يقول المرجع المدرسي.

وعودة الى القرآن الكريم الذي يدلنا على عالم الحقائق الناصعة، ويدعونا لليقظة من غفوة الأحلام الوردية، والانطلاق في رحاب العمل والإيمان بما يكشف لنا فلسفة الابتلاء فتطمئن قلوبنا بالايمان: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. إنّ الكوارث والأزمات في حياتنا ما هي إلا جولات اختبار للقوة والتحدي والإرادة على تحويل الظروف السيئة الى فرص للتغيير والتقدم، ومن شعوب عدّة في العالم نتعلم كيف أنهم تجاوزوا أنقاض الحروب، والاستعمار، بروح إيجابية و تحولوا اليوم الى مقصد جميع بلدان العالم للحصول على السلع الاستهلاكية ذات الجودة العالية، ومن ثمّ، فإن ثمرة التعب في هذا الاختبار الناجح هو تذوق طعم الحياة والاستمتاع بنعم الله في الحياة.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا