الأخبار

العراق تحت وطأة العواصف الترابية؛ أزمة بيئية وصحية واقتصادية

الهدى – متابعات ..

تعد ظاهرة العواصف الترابية والغبارية في العراق أزمة مزمنة تتجاوز كونها ظاهرة طبيعية عابرة، لتصبح تحديًا بيئيًا وصحيًا واقتصاديًا عميق الجذور.

فالبلد الذي فقد الكثير من معالمه الخضراء بات مسرحًا لهجمات متكررة من ذرات الغبار، لا يسلم منها أحد، من كبار السن الذين يكافحون لالتقاط أنفاسهم، إلى القطاعات الحيوية في الدولة.

مشهد يومي مألوف وتكلفة باهظة

وتجسد معاناة الحاج سلمان، الذي يهرع لسد كل منفذ للرياح بقطعة قماش خوفًا من تسرب الهواء الملوث، المشهد اليومي المألوف والمقلق لعموم العراقيين.

فالخوف من الاختناق ليس حكرًا على كبار السن، بل يهدد جميع الفئات العمرية. هذه الأزمة تكبد العراق خسائر بملايين الدنانير سنويًا، وفقًا لتقديرات مرصد العراق الأخضر.

وتتوزع هذه الخسائر على قطاعات الصحة، والزراعة، والنقل، والخدمات، مما يوجب توحيد الجهود لمواجهة استفحال هذه الآفة.

أسباب استفحال الظاهرة: عوامل مناخية وبشرية

ويوضح الخبراء البيئيون أن هناك مجموعة متكاملة من العوامل أسهمت في تفاقم حدة العواصف الترابية، تنقسم بين عوامل مناخية وأخرى بشرية.

التغير المناخي وتدهور التربة

وتشمل العوامل المناخية ارتفاع درجات الحرارة عن معدلاتها الطبيعية كأحد نتائج التغير المناخي، وتدهور التربة نتيجة انخفاض الغطاء النباتي وزيادة مساحات التصحر. كما تسهم قلة الأمطار وتدهور مناسيب المياه في المصادر المائية، وعدم تنفيذ الخطط الاستراتيجية لمعالجة التصحر وتكثيف الغطاء النباتي، في تفاقم الأزمة.

ويؤكد الخبير البيئي سمير عبود أن “التصحر وتدهور التربة والجفاف هي اللبنة الأساسية للعواصف الترابية”، وأن التغير المناخي يلعب دورًا مهمًا في انتشار الجفاف وزيادة مسارات الزحف الصحراوي.

الممارسات البشرية الخاطئة

ويضيف عبود أن الممارسات البشرية تزيد الطين بلة، ومنها الرعي الجائر وقطع الأشجار، إضافة إلى الزحف السكاني على الأراضي الزراعية وتقليص المساحات الخضراء. هذه الممارسات هي “العامل الأساسي لتكون دقائق الغبار التي تحملها الرياح”.

وتمتد تأثيرات العواصف الترابية لتشل الحركة الاقتصادية وتضغط على النظام الصحي والبنى التحتية، وفقًا للخبير الاقتصادي ضياء المحسن.

على القطاع الزراعي

وتؤدي العواصف إلى تلف المحاصيل الزراعية وتدهور جودة التربة، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج وارتفاع أسعار المواد الغذائية. وتعمل على إعاقة نمو المحاصيل وتقليل عملية البناء الضوئي، واقتلاع النباتات، إضافة إلى تأثيرها سلبًا على الثروة الحيوانية لتأثر مناطق الرعي.

على الصحة والبنية التحتية

وينتج عن العواصف الترابية زيادة الأمراض التنفسية والحساسية، مما يرفع من تكلفة الرعاية الصحية ويحدث ضغطًا على النظام الصحي.

كما تسبب تعطيل حركة النقل نتيجة انعدام الرؤية الأفقية، وهو ما يضطر السلطات إلى إغلاق الطرق والمطارات ويعطل النشاط الاقتصادي.

وبالإضافة إلى ذلك، تؤدي إلى تلف البنى التحتية بدخول جزيئات الغبار إلى الأنظمة الكهربائية والإلكترونية الحساسة، مما يزيد احتمالية الأعطال والحوادث وخسائر الاقتصاد الوطني.

جهود مكافحة الأزمة: استراتيجيات وشراكات دولية

تولي وزارة البيئة العراقية اهتمامًا متزايدًا لهذا الملف الحيوي، من خلال العمل على تنفيذ مشاريع تنموية واستراتيجية.

وتابعت الوزارة بدقة العواصف الغبارية من حيث العدد والشدة منذ عام 2017، ووضعت دليلًا وطنيًا لمكافحة التصحر.

وأوضحت مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة، الدكتورة نجلة الوائلي، أن التحديات الأمنية والصحية السابقة حالت دون التنفيذ الفوري لتلك البرامج.

شراكات دولية ومشاريع جديدة

وتعمل الوزارة على عدة مسارات دولية، منها مبادرة كويتية-عراقية بالتعاون مع منظمة الموئل التابعة للأمم المتحدة (UN-Habitat) لتنفيذ مشاريع في محافظتي السماوة وذي قار.

كما تم إطلاق مشروع “وقاية من تأثيرات العواصف الغبارية” بالتعاون مع السفارة البريطانية، وهناك شراكة فاعلة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لدعم المرحلة الثانية من الخطة الوطنية لمكافحة العواصف الغبارية.

وتختتم الجهود بالإعلان عن قرب إطلاق الاستراتيجية الوطنية للحد من تدهور الأراضي خلال أقل من شهر، مع تحديد موازنات مالية لدعم مشاريع استصلاح الأراضي.

المسؤولية المشتركة: الوعي البيئي ركيزة الحل

ويؤكد أستاذ فلسفة التربية وعلم النفس، الدكتور عدي عبد شمخي، أن العواصف الترابية تترك بصماتها على الإنسان والمكان والزمان، وتسبب القلق والخوف والإحباط والضيق النفسي نتيجة العزلة المنزلية المتكررة والإحساس بالعجز.

لذا، فإن مواجهة الأزمة تتطلب مسؤولية مشتركة ودورًا فاعلًا من جميع شرائح المجتمع. يجب العمل على نشر الوعي المجتمعي، وزيادة الوعي بأهمية الحد من العواصف، وإدراك أن هذه الظاهرة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لاختلال التوازن البيئي.

ويتطلب الأمر تفعيل دور المجتمع بشكل كامل. يمكن للقطاع المدني والجمعيات أن تبادر بمشاريع تشجير وحملات تطوعية لزراعة الأحزمة الخضراء.

وعلى الأفراد ترشيد استهلاك المياه، وعدم التعدي على الأراضي الزراعية، وتعزيز ثقافة حماية البيئة. كما يجب على القطاع الخاص دعم المبادرات البيئية وتمويل الحلول المستدامة، وعلى الإعلام إطلاق حملات شاملة لنشر الوعي.

ويختتم الدكتور عبد شمخي بالتأكيد على أن بناء وعي بيئي راسخ، وتبني حلول مبتكرة، وغرس قيم الاستدامة في الأجيال الناشئة، هي الخطوات الكفيلة بتحويل هذا التحدي إلى فرصة لتأسيس مجتمع أكثر صلابة ووعيًا بضرورة حماية بيئته وصون صحته.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا