بأقلامکم

رسالة إلى واقعنا

بعد عقود طويلة من المعاناة والسنين العجاف، كنا نأمل أن نرتقي ولو خطوة صغيرة نحو مستوى مقبول في التعامل الإنساني والسياسي والثقافي. لكن الواقع يثبت أن جذور التخلف ما زالت متشبثة فينا، لأننا لم نمتلك بعدُ الشجاعة الكافية لمغادرتها. إن من أبرز أسباب تراجع المجتمعات وتقهقر الشعوب هو رفضها لحالة الصيرورة الاجتماعية، أي رفضها للتغيير والانتقال من واقع متخلف إلى واقع أكثر تحضرًا.

   فالشخصية المزدوجة لا تزال ثابتة، رغم انتقال الكثيرين من الريف إلى المدينة أو من المدينة إلى فضاء أكثر تمدنًا. وإذا ما تجولنا بعدسة الكاميرا في مناطق متعددة من بلادنا، سنلحظ تشابهًا كبيرًا في السلوكيات الخارجية، رغم اختلاف بعض العادات والتقاليد، وهذا يؤكد أن الحداثة لا تعني فقط تحديث المظهر الخارجي أو استخدام أدوات حديثة للتواصل، بل إن جوهر التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من النمو الروحي والأخلاقي.

العالم تغيّر والأدوات اختلفت، وما علينا إذا أردنا مواكبة التحولات الكبرى إلا أن ندرك ذواتنا ونتشبث بقيمنا الدينية والإنسانية والأخلاقية، لأنها تمثل الركيزة الأسمى للتطور والارتقاء، إذ التطور الحقيقي ليس في تبدل الأيام وتشابه الليالي، بل في قدرتنا على جعل كل يوم أفضل من سابقه، وقد لخّص الإمام الصادق عليه السلام هذه الحقيقة بقوله: “من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط، ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم يرَ الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة”.

ولأجل طرح ما نعتقد بصلاحيته لمعالجة الموضوع نضع النقاط التالية التي تمثل حلولا للخروج من الازدواجية المقيتة : البدائل والحلول:

١-   إصلاح منظومة القيم والسلوك: لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون إعادة بناء وعيه الجمعي من خلال التمسك بقيم الوحي ومبادرة الرسالة الإسلامية وتطبيقها على أرض الواقع إذ القيم ليست شعارات تُرفع، بل سلوك وممارسة عملية، لذلك أكد عليها سماحة المرجع آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) في مؤلفاته ومحاضراته المستمرة على الاهتمام بالجانب الأسري والتعليمي لأن الإصلاح يبدأ من البيت والمدرسة حيث تُزرع قيم الصدق، والاحترام، والنزاهة، والعمل، والاعتراف بالآخر.

٢-  التربية قبل التعليم: نحتاج إلى إعادة النظر في نظامنا التربوي الذي يركّز على الحفظ أكثر من الفهم، وعلى الشهادة أكثر من الوعي، فالعلم بلا خلق يتحول إلى أداة للهدم بدل البناء.

٣- إحياء ثقافة النقد الذاتي: لا إصلاح بلا جرأة في مواجهة أخطائنا، علينا أن نتحرر من ثقافة التبرير وأن نمتلك الشجاعة لنقول: نحن نخطئ، فالنقد الذاتي هو أول أبواب النضج الاجتماعي.

٤ – تمكين الشباب والاستفادة من قدراتهم: الشباب هم طاقة التغيير، ولا يمكن معالجة التخلف بعقلية الماضي … يجب أن نمنحهم الفرصة، ونثق بقدرتهم على صناعة المستقبل مع الاحتفاظ على تراثنا الأصيل .

٥-  تعزيز العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد: لأن الظلم يولّد الازدواجية، وغياب العدالة يولّد النفاق الاجتماعي، ولا يمكن أن نتحدث عن مجتمع ناضج ما لم يتحقق فيه مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة بين الناس. إنَّ التغيير لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالوعي والإرادة، وما لم نتعلم كيف نكون صادقين مع أنفسنا أولاً، فلن نكون صادقين مع مجتمعنا قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}. (سورة الرعد، الآية 11). فالمجتمع الذي يعيش ازدواجية في القول والفعل، سيبقى يدور في حلقة مفرغة من التكرار والخيبة ما لم يعالج نفسه بنفسه فالتغيير يبدأ من الداخل. إنها رسالة إلى واقعنا، إما أن نتحرر من قيود التخلف والازدواجية، أو نبقى نحلم بالتغيير من بعيد، دون أن نخطو نحوه خطوة واحدة.

عن المؤلف

حيدر الرماحي

اترك تعليقا