أسوة حسنة

من تجليات الكرم العلوي: قراءة في سخاء الإمام الحسن العسكري عليه السلام

مقدمة

يمثل الكرم إحدى أسمى الفضائل الإنسانية وركيزة من ركائز الأخلاق الإسلامية، وقد تجسدت هذه القيمة بأبهى صورها في سيرة أئمة أهل البيت، عليهم السلام، الذين كانوا منارات يُهتدى بها في العطاء والبذل، ويبرز من بينهم الإمام الحادي عشر، أبو محمد الحسن بن علي العسكري، عليه السلام، كنموذج فريد في الجود والسخاء، حيث لم يكن كرمه مجرد عطاء مادي، بل كان فيضاً إلهياً ومعجزة باهرة تكشف عن مكانته الربانية وعلمه اللدني. تبحث هذه المقالة في أبعاد الكرم في شخصية الإمام العسكري، مستعرضةً نماذج من سيرته وشهادات معاصريه ومؤرخيه، لتكشف عن أن سخاءه كان دليلاً من دلائل إمامته وبرهاناً على فضله الذي أجمع عليه العدو والصديق.

الكرم المتجلي بالمعجزة: ما وراء العطاء المادي

لا يمكن فهم كرم الإمام العسكري، عليه السلام، بمعزل عن كراماته ومعاجزه التي أذن الله له بها، فسخاؤه كان مقروناً بعلم غيبي يكشف حاجة السائل قبل أن ينطق بها، ويفيض عليه بما هو أصلح له في دينه ودنياه. والرواية التي تعد محوراً في هذا الباب هي قصة محمد بن علي بن إبراهيم حفيد الإمام موسى بن جعفر، عليه السلام، الذي ضاقت به السبل فلجأ هو وابنه إلى الإمام العسكري طلباً للمعونة.

قبل دخولهما على الإمام، أسرّ علي بن إبراهيم في نفسه حاجته، متمنياً لو يأمر له الإمام بخمسمائة درهم يقسمها بين الكسوة والدقيق والنفقة، أما ابنه محمد، فقد أضمر في نفسه أمنية بثلاثمائة درهم؛ مئة للكسوة، ومئة للنفقة، ومئة يشتري بها حماراً ليسافر به إلى الجبل طلباً للرزق. فلما دخلا على الإمام وجلسا، بادرهما الإمام بالسؤال عن سبب انقطاعهما، قبل أن يغادرا، وما إن خرجا حتى لحق بهما غلام الإمام، حاملاً صرتين، فأعطى الوالد صرة تحوي خمسمائة درهم كما تمنى بالضبط، قائلاً: “يقول الإمام: مائتان للدقيق ومائتان للكسوة ومائة للنفقة”. ثم أعطى الابن محمد صرة بها ثلاثمائة درهم، ونقل له رسالة الإمام المفصلة: “مائة للكسوة ومائة تشتري بها حماراً ومائة للنفقة، ولا تخرج إلى الجبل، بل أخرج إلى سورا”. وقد عمل محمد بوصية الإمام، فخرج إلى “سورا” حيث فتح الله عليه أبواب الرزق ورزقه ألف دينار ببركة دعاء الإمام وتوجيهه.

تتجلى في هذه الحادثة أبعاد الكرم العسكري الذي يتجاوز العطاء المادي إلى العطاء المعرفي والهداية الربانية، فالإمام لم يقضِ حاجتهما فحسب، بل علم بما في نفسيهما دون أن يتكلما، وهو برهان على ارتباطه بمصدر العلم الإلهي، كما أنه لم يكتفِ بتلبية رغبة الشاب في السفر، بل أرشده إلى الوجهة الصائبة التي فيها خيره وصلاحه، مما يوضح أن كرم الإمام لم يكن تفضلاً عشوائياً، بل كان فعلاً حكيماً وموجهاً نحو تحقيق أفضل مصلحة للسائل.

شهادات الخصوم والمحبين: إجماع على النبل والكرم

لم تكن فضائل الإمام العسكري، عليه السلام، خافية على أهل زمانه، بل كانت ساطعة كالشمس، حتى شهد بها ألد أعدائه والمنحرفين عن خط أهل البيت. ومن أبرز هذه الشهادات قول أحمد بن خاقان، الذي عُرف بعدائه الشديد، حيث قال: “ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى – أي سامراء – من العلويين مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، عليهم السلام، ولا سمعت بمثله في هَدْيه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه”. هذه الشهادة من خصم تعد من أقوى الأدلة على أن فضائل الإمام، ومنها الكرم، كانت حقيقة ماثلة لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها.

يتجلّى الكرم في فكر الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، بوصفه منظومة متكاملة تتجاوز حدود الإحسان الفردي لتغدو فلسفة عقدية واجتماعية مترابطة

وقد وثّق أعلام الطائفة ومؤرخو الإسلام هذه الحقيقة؛ فالشيخ المفيد، وهو من هو في علمه ومكانته، أشاد بمناقب الإمام أبي محمد، عليه السلام، وعدّها من موجبات إمامته، فقال: “(كان الإمام بعد أبي الحسن علي بن محمد، عليهم السلام، ابنه الحسن بن علي لاجتماع خلال الفضل فيه، وتقدمه على كافة أهل عصره فيما يوجب له الإمامة، ويقتضي له الرياسة من العلم، والزهد، وكمال العقل، والعصمة، والشجاعة، والكرم، وكثرة الأعمال المقربة إلى الله عز وجل…”  . فالمفيد هنا يضع الكرم كإحدى الدعائم الأساسية التي استحق بها الإمام، عليه السلام، منصب الإمامة.

كما أثنى عليه ابن الصباغ المالكي ثناءً بليغاً يعكس مكانته السامية، فقال: “مناقب سيدنا أبي محمد الحسن العسكري دالة على أنه السري ابن السري… واحد زمانه من غير مدافع، ونسيج وحده من غير منازع… أقواله سديدة، وأفعاله حميدة… فارس العلوم الذي لا يجارى… الكريم الأصل والنفس والذات…”  . هذا الإجماع من مختلف الأطياف يؤكد أن كرم الإمام العسكري كان صفة أصيلة وجزءاً لا يتجزأ من شخصيته العظيمة التي فرضت احترامها على الجميع.

فلسفة العطاء في مدرسة الإمام العسكري

يتجلّى الكرم في فكر الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، بوصفه منظومة متكاملة تتجاوز حدود الإحسان الفردي لتغدو فلسفة عقدية واجتماعية مترابطة. فهو لا ينفصل عن الإيمان بالله، ولا ينفك عن خدمة الناس والإحسان إليهم. وقد عبّر الإمام عن هذا التصور في قوله المأثور: “خصلتان ليس فوقهما شيء: الإيمان بالله ونفع الإخوان”. وفي هذا القول يجمع بين أرفع حقيقة إيمانية وأسمى قيمة اجتماعية، جاعلًا منهما توأمين متكاملين يشكّلان جوهر الدين وحقيقته العملية.

إن سيرة الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، تقدم نموذجاً متكاملاً للكرم الإلهي المتجلي في صورة بشرية، لم يكن سخاؤه مجرد بذل للمال، بل كان عطاءً للمعرفة

كما أسّس الإمام، عليه السلام، قاعدة رفيعة في أدب العطاء، إذ قال: “لا تكرم الرجل بما يشقّ عليه”. وهذه العبارة الموجزة تحمل دلالة تربوية بالغة العمق، إذ تُوجّه المعطي إلى مراعاة حال المتلقي وصيانة كرامته، لتؤكد أن الإحسان إذا أفضى إلى الحرج أو المشقة فقد قيمته الأخلاقية، وهكذا يظهر البعد الإنساني في رؤية الإمام، حيث جعل الكرم وسيلةً لرفع الإنسان وحفظ مكانته، لا لإذلاله أو الانتقاص من شأنه.

الخاتمة

إن سيرة الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، تقدم نموذجاً متكاملاً للكرم الإلهي المتجلي في صورة بشرية، لم يكن سخاؤه مجرد بذل للمال، بل كان عطاءً للمعرفة، وإرشاداً للصلاح، وحفظاً للكرامة الإنسانية. لقد أثبت من خلال كرمه المعجز وشهادات الموافق والمخالف وفلسفته العميقة في العطاء، أن فضائله لم تكن صفات مكتسبة فحسب، بل هي فيض من أنوار الإمامة التي اصطفاه الله لها. وبذلك، يظل كرم الإمام العسكري منارة خالدة تضيء دروب السالكين إلى الله، وتجسيداً حياً لقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}  .

قائمة المصادر والمراجع:

  1. القرآن الكريم.
  2. تحف العقول عن آل الرسول (ص)، ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ / 1984 م.
  3. الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ابن الصباغ المالكي، علي بن محمد، تحقيق سامي الغريري، ط1، قم: دار الحديث للطباعة والنشر، 1422 هـ.
  4. أعلام الدين في صفات المؤمنين، الديلمي، الحسن بن محمد، تحقيق مؤسسة آل البيت (ع)، ط1، قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، 1408 هـ / 1988 م.
  5. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، تحقيق مؤسسة آل البيت (ع)، ط2، بيروت: دار المفيد للطباعة والنشر، 1414 هـ / 1993 م.

عن المؤلف

السيد هاشم أمير الهاشمي

اترك تعليقا