الهدى – وكالات ..
في خطوة وصفتها منظمات حقوق الإنسان بـ “الكابوس الجماعي”، أقدمت جماعة طالبان على قطع خدمات الإنترنت والاتصالات بالكامل في جميع أنحاء أفغانستان منذ مساء الاثنين الماضي.
ويشير خبراء دوليون إلى أن هذا الإجراء المتعمد هو أداة جديدة تستخدمها الجماعة لـ ترسيخ سلطتها الاستبدادية وإسكات أي صوت احتجاجي، ما أدى إلى شل حركة الحياة اليومية والتجارة، وعزل البلاد عن العالم الخارجي تماماً.
وهذا القرار غير المسبوق لم يقتصر تأثيره على إرباك حياة الملايين، بل حوّل أفغانستان فعلياً إلى “جزيرة معزولة في قلب القرن الحادي والعشرين”، محرومة من أبسط حقوق الاتصال.
“نتبلوكس”: الإجراء مقصود وليس خللاً فنياً
وأكد مرصد “نتبلوكس”، وهو منظمة دولية متخصصة في مراقبة الوصول إلى الإنترنت، أن الخلل الحاصل في خدمات الاتصالات الأفغانية ليس ناجماً عن نقص في البنية التحتية، بل هو إجراء متعمد ومقصود من جانب طالبان.
وأوضح المرصد أن هذا الانقطاع الشامل لم يمس بخدمات الإنترنت فحسب، بل تعدى ليطال الاتصالات الهاتفية والتطبيقات وقسماً كبيراً من خدمات الاتصالات الأخرى.
وقد أدى الانقطاع المتزامن لشبكات الهواتف الأرضية والإنترنت إلى عزل أفغانستان عن العالم الخارجي بالكامل.
وأفادت تقارير من كابل بأن قطاع النقل الجوي والرحلات الجوية قد تأثر بشكل كبير، حيث واجهت الرحلات إرباكاً وتأخيراً على خلفية انعدام الاتصال الدقيق.
صدمة اجتماعية وإغلاق لـ “آخر نافذة تواصل”
وأصاب انقطاع الإنترنت المجتمع الأفغاني بصدمة عميقة، حيث حُرِمت آلاف الأسر التي يعيش أعضاؤها في المهجر من التواصل مع ذويهم، ما دفع المهاجرين الأفغان للعيش في قلق شديد.
كما خسرت النساء والأمهات، بحسب المرصد، آخر آمالهن في التواصل بالصورة مع أبنائهن وأفراد أسرهن.
وفقد الطلبة والمرضى والنشطاء المدنيون إمكانية التواصل مع المصادر العلمية والأطباء والشبكات الحمائية، واعتبر نشطاء حقوق الإنسان هذا الوضع “كابوساً جماعياً” يؤذي روح المجتمع ويدفعه للعزلة التامة.
ونددت مؤسسات المجتمع المدني بشدة بهذا الإجراء، واعتبره الكثير من نشطاء حقوق الإنسان داخل أفغانستان وخارجها بمثابة “عداء سافر للحريات الفردية”، مؤكدين أن طالبان تُغرق المجتمع في الظلام بشكل متعمد لمنع أي صوت احتجاجي من الوصول إلى أسماع العالم.
استراتيجية “الظلام والصمت” لتجنب الانهيار الداخلي
ويرى محللون أن قرار قطع الإنترنت يندرج ضمن الاستراتيجية العامة لطالبان لبناء أفغانستان منعزلة وصامتة تخضع للسيطرة الإيديولوجية. وتتلخص هذه الاستراتيجية في ثلاث نقاط رئيسية هي:
- إخماد الحقيقة: حيث لا تريد طالبان أن تتسرب جرائمها وقمعها الداخليين إلى خارج الحدود.
- احتواء المطالبات الداخلية: تتخوف طالبان من وعي المجتمع، حتى بين مقاتليها الذين بدأوا بمقارنة ظروفهم المعيشية بواقع حياة قادتهم، ما قد يهدد بانهيار داخلي.
- عزل أفغانستان: تحويل البلاد إلى “سجن كبير” لا يوجد فيه أي تواصل أو نافذة اتصال مع الخارج.
واعتبر العديد من الكتاب الأفغان هذا الإجراء مؤشراً واضحاً على تخلف طالبان، مؤكدين أنها تسعى لتحويل أفغانستان إلى “بلد بلا صوت ولا صورة”، حيث لا يُسمع أي صوت احتجاج ولا تنفذ أي حزمة نور من الخارج إليها.
شلل تجاري ومالي وبناء “سجن رقمي”
ولم يقتصر الانقطاع الواسع للإنترنت على الحياة الاجتماعية، بل أدى إلى شلل في الأنشطة التجارية والاقتصادية.
فقد شُلَّت البنوك والشركات التي تعتمد على الخدمات عبر الإنترنت في ليلة واحدة، وأصيبت الأسواق الداخلية بأزمة في الوصول إلى الخدمات المالية والتجارية على خلفية انعدام الاتصالات الرقمية.
ويؤكد المراقبون أن ما فعلته طالبان في أفغانستان هو بناء “سجن رقمي” بالمعنى التام للكلمة، وهو واقع يُقحم المجتمع الأفغاني في الصمت والظلام.
وشدد المحللون على أن قطع خدمة الإنترنت يثبت أن الجماعة لا تؤمن إطلاقاً بالحريات والوعي والحياة المدنية، رغم أن التجربة التاريخية أثبتت أن أي جدار فاصل غير قادر على صد تيار الوعي.
