الهدى – متابعات ..
في تحوّل جذري لأنماط البيع والشراء، أصبحت شاشات الهواتف الذكية هي السوق الجديد في العراق، حيث نجحت تطبيقات الموبايل ومنصات التواصل الاجتماعي في إعادة رسم خريطة التجارة خلال سنوات قليلة.
وهذا التطور، الذي يوصف بـ “الثورة التجارية الصامتة”، فتح آفاقاً واسعة أمام آلاف الشباب والنساء للدخول إلى عالم الأعمال بأبسط الإمكانيات، لكنه في الوقت ذاته، خلق فوضى اقتصادية واجتماعية كبيرة في ظل ضعف التشريعات والرقابة.
وبينما يرى البعض في هذا السوق الافتراضي فرصة لتوليد فرص عمل وتجاوز قيود السوق التقليدي، يحذر آخرون من أن غياب التنظيم قد يحوّله إلى بيئة خصبة للاحتيال ويزيد من مخاطر التهرب الضريبي ويقوض أمن بيانات المستخدمين.
وشدّد الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور مصطفى حنتوش، في حديث صحفي، على أن إطلاق منصة إلكترونية رسمية يمثل خطوة إصلاحية حاسمة لإنقاذ الوضع.
وأكد حنتوش، أن هذه المنصة لا تقتصر على تنظيم العلاقة بين التاجر والمستهلك، بل تهدف إلى تعزيز الثقة بالمعاملات الرقمية، والمساهمة في إدخال شريحة واسعة من التجار إلى الاقتصاد الرسمي.
وأوضح أن هذا الدمج يرفع من مستوى الشفافية ويحدّ من التهرب الضريبي، فضلاً عن توفير بيئة أكثر أماناً للمستهلك وزيادة التنافسية.
وأضاف الخبير أن نجاح هذه الخطوة مرهون بجدية تطبيق القوانين وتطوير أدوات الرقابة الإلكترونية، مشيراً إلى أن وجود منصة منظمة سيسمح بدمج الاقتصاد المحلي بـ منظومة الاقتصاد الرقمي العالمي.
وحذّر حنتوش من أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إدارة المنصة لتعزيز الاستثمار ووضع ضوابط واضحة تحول دون استغلالها.
وعلى صعيد الأمن السيبراني، أشار المختص في مجال الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إيهاب عنان، في تصريح له، إلى أن غياب بنية تشريعية ورقابية واضحة يزيد من تعقيد مخاطر أمن بيانات المستخدمين.
وأوضح عنان أن تطبيقات الموبايل تفتقر غالباً إلى التأمين الكافي للمعطيات الشخصية للمستهلكين، ما يعرّضهم لـ هجمات التصيّد الاحتيالي وثغرات برمجية تسمح باختراق الأجهزة.
وحمّل عنان الجهات الرسمية مسؤولية وضع إطار قانوني شامل ينظّم العمل الرقمي ويحدد مسؤوليات الشركات في تأمين البيانات، مؤكداً أن أي تقدم اقتصادي حقيقي في التجارة الافتراضية يعتمد بشكل مباشر على بيئة رقمية آمنة تعزز ثقة المستهلك.
وفي تأكيد على الدور الحكومي، أفاد المتحدث باسم وزارة التجارة، محمد حنون، أن الدولة العراقية تمارس دوراً حيوياً في وضع التشريعات وآليات الرقابة لضمان شفافية التعاملات وتعزيز ثقة المواطنين.
وأشار حنون إلى أن الأسواق الافتراضية تحمل فرصاً واعدة لدعم الاقتصاد الوطني، لكنها تنطوي على مخاطر حقيقية إذا تُرِكت دون رقابة وتشريع. وشدّد على أن الرقابة الحكومية ليست غاية بل وسيلة لضمان شفافية التعاملات وحماية المواطنين من الغش والاحتيال والمنتجات مجهولة المصدر.
وكشف المتحدث عن أولويات الوزارة الاستراتيجية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وأبرزها، حماية المستهلك، عبر إنشاء آليات لتلقي الشكاوى إلكترونياً، وإلزام المنصات بـ الإفصاح عن بيانات البائعين، وفرض معايير الجودة على السلع.
وكذلك تنظيم السوق الرقمي من خلال إعداد تشريعات خاصة بالتجارة الإلكترونية تحدّد حقوق والتزامات الطرفين، واعتماد أنظمة ترخيص للبائعين عبر الإنترنت.
ومن الناحية الاجتماعية، تحوّل السوق الافتراضي إلى نافذة أمل أمام شرائح واسعة، لا سيما النساء والشباب، لتوليد فرص عمل بديلة.
فقد أتاحت هذه المنصات للعديد من النساء، ولا سيما ربات البيوت، فرصة المساهمة في دخل الأسرة عبر مشاريع منزلية صغيرة.
وفي هذا السياق، أكدت الناشطة الاجتماعية حوراء يوسف، أن هذا السوق يمثل “نافذة أمل للكثير من النساء” لتحقيق استقلالية مالية نسبية.
لكنها حذّرت في الوقت ذاته من “تحوّل هذه الظاهرة إلى شكل جديد من العمل غير المستقر، الذي لا يوفر أي حماية قانونية أو ضمانات مستقبلية”. وشددت على ضرورة دمج هذه المشاريع في الاقتصاد الرسمي عبر تشريعات مرنة تدعم ريادة الأعمال.
وفي الجانب القانوني، أكد المحامي أحمد تويج في حديث له، أن القانون العراقي يسعى إلى توفير بيئة تنظيمية متوازنة تحمي مصالح التجار والمستهلكين.
وأوضح أن الإطار القانوني الحالي يمنح التجار ضمانات واضحة عبر تحديد الحقوق والالتزامات في عقود البيع والشراء الإلكترونية، وحماية الملكية الفكرية والعلامات التجارية.
ومع ذلك، أشار تويج إلى أن غياب التشريعات الصارمة وآليات الرقابة يضاعف من مخاطر النصب والاحتيال الإلكتروني، خصوصاً في عمليات التوصيل، مستشهداً بتجربة المستهلك علي كريم، الذي تعرض لفقدان أمواله بعد الدفع المسبق لمنتج لم يصل.
وأكد تويج أن المسؤولية تقع على الجهات الرسمية لوضع إطار قانوني يضمن استرداد الأموال ويحمي حقوق المستهلكين.
