ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (81) ماذا يقول الاسلام في الترفيه عن النفس؟

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة”.

الروايات التي تتحدث عن قشر الخيار، او الروايات التي تتحدث عن الثواب والوزار، او طريقة الجلوس عند الاكل، او ما لا يقل عن اربعة عشر حكما في تنظيف الاسنان، والبعض قد يطرح الشبهة التالي: هل صحيح ان هذا الدِين نازل من الله خالق السماوات والارض؟

الجواب: نعم، لان هذا الدين لي ولك، والانسان  يهمه نظافة أسنانه، ويهمه طعامه وشراب وملبسه ومسكنه وما اشبه ذلك، والدِين إنما هو للانسان بكل ما فيه من حاجات، وبكل ما فيه من قوة، وبكل ما فيه من ضعف.

في الوقت الذي فيه تتحدث آيات وروايات تتحدث عن هدف الخَلق، وعن الجنة والنار، هناك آيات روايات تتحدث عن الطعام، وعن النكاح، وعن علاقة الرجل بالمرأة، وتتحدث عن الكتابة في الاقتراض، وأطول آية في كتاب الله عزوجل هي آية الدَين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}.

حياة الانسان لا تقوم دائما على مجموعة من الكليات والقواعد العامة، بل هي قائمة على مجموعة من الجزئيات ومجموعة من الكليات، وهذا الدِين لانه لهذا الانسان، تناول كل التفاصيل، والدِين لا يتناول خالق الانسان، حتى لا يقال ان هذه امور جزئية وربما يعبر عنها بانها تافهة.

هذا البشر ضعيف في جسمه؛ نقطة من الهواء تدخل في الدم قادرة على ان تقضي على الانسان وتجعله في خبر كان، ولا نحتاج الى حديث طويل في هذا، يكفي ان يقضي على الانسان مايكروب بسيط لا يرى بالمجهر.

ولابد للدِين الذي يتناول هذا الانسان ويريد له الخير في الدنيا والآخرة، لابد له ان يتناول هذه الأمور؛ لابد للدِين ان يهتم بتعب الانسان وراحته وسأمه، وكيفية ذلك وجزئياته، والسبب في هذا الامر ان شيئا بسيطا ـ ربما ـ يقضي على الانسان، ولان الله خلق الانسان في فترة محدودة من الزمن فأراد الله له البقاء، ولم يرد له ان يتعرض للأخطار، والجزئيات هي التي تقضي على الانسان عادة،  وهي التي يهتم لها الانسان، اوليس الانسان يهتم بلون ثوبه او بجزء بسيط فيه؟

اوليس يهتم بلون الستائر في الغرفة؟

او ليس يهتم بوضع السفرة على الارض وتوزيع الطعام عليها؟

كله ذلك يَهم الانسان؛ لانه يؤثر على روحيته ونفسيته، الالوان في بعض الاحيان توحي للفرد بحالة نفسية معينة، بعضها توحي بحالة نفسية رديئة، وأخرى توحي اليه بحالة جيدة. وما دام لهذه الامور تأثيرات على حياتنا فإن الدِين قد اهتم بها واعطى لها تعليمات.

إذا اضفنا الى هذه الحقيقة (ان الانسان ليس مركبا من قضايا كلية فقط) وإنما مركب من جزئيات، إذا اضفنا حقيقة أخرى، وهي: كما أن طاقات جسم محدودة كذلك طاقات روحه، فكما ان البشر لا يتحمل التعب والاثقال لفترة طويلة من الزمن، لا يستطيع ان يعدو ويركض لمدة اربع وعشرين ساعة.

الابدان والارواح تمل؛ فالذي لا عمل له ايضا يتعب، لان الله خلق الانسان وجعل سنته في جسمه وروحه ان يشتغل في حالة عمل، لكن لابد ان يكون هناك عمل عن آخر، لا ان يكون الترويح كل شيء

فكما ان الاسلام اهتم بقضايا الجد والاجتهاد والعمل، اهتم في المقابل بحالات ضعف الانسان وارشده الى ان يرتاح، قال النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: “إن الله احب يؤخذ برخصه كما أحب أن يؤخذ بعزائمه” فكما أن الله أحب ان نطعيه في الصلاة والصيام والحج، أحبَ ايضا ان نطيعه في الرُخص، {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ} فحرّمَ على المسلم صوم الوصال ( صيام 24 ساعة).

لذا نجد ان الاسلام اهتم بعدة امور تربتط بحياة الانسان من حيث البَدن، مثلا، اشاعة السرور، فليس من الصحيح ان يتحدث المؤمن دائما عن الالام والكوارث، لان الحياة ليس لها لون واحد، فهي خليط بين الاسود والابيض والرمادي، لابد من اشاعة السرور، قال أمير المؤمنين عليه السلام: “السرور يبسط النفس ويثير النشاط” وقال: “السرور خُلّدة”.

لماذا تتعب الروح؟

ومن هنا تناول الاسلام مسألة تعب الروح، وقد يسأل احدهم: كيف تتعب الروح؟

الجواب: قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “إن للقلوب شهوة وإقبالا وإدبارا، فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها، فإن القلب إذا اكره عمي”. احيانا الروح تشتهي الصلاة فادفعها لكي تصلي، لكن بعض الاوقات الروح تكره النوافل، وهنا لا يجب اجبارها على ذلك، الآباء الذين يجبروا ابناءهم على المستحبات ربما يتركون الواجبات، لا “القلب اذا اكره عمي”.

إذا تحول الدين بكل ما فيه من جمال وبزوع ووهج الى سياط واكراه فإن الذين يتحملونه يكرهونه، لان القلب والروح يتعبان.

واذا اهتم الاسلام بتعب الروح والبدن.. فما السبيل الى رواحها؟

الجواب: الترويح الروحي يجب ان يكون روحيا، كما ان التعب الجسمي يجب ان يروح عنه جسميا ايضا، الترويح الروحي للجسم لا ينفع، والترويح الجسمي للروح لا ينفع، لان تعب الروح بحاجة الى ترويح روحي، وتعب الجسم يحتاج الى ترويح جسمي.

الطريقة المثلى لترويح النفس

ترويح الروح هو طرائف الحكم، والحكمة تنفع من ناحتين، حكمة جميلة، طريفة، ونافعة، نكتة ليس فيها اسقاط لشخصية أحد، فيها توجيه الانسان الى حقيقة من حقائق النفس او الكون وما شابه ذلك، فهي تفيد ناحيتين، أنها تروّح الروح اولا، وثانيا فيها منفعة للفرد.

وفي الكلمة القصيرة لأمير المؤمنين: إن هذه القلوب تمل كما تمل الابدان”، هذه الكلمة تفتح أمامنا افق الترفيه؛ في الحقيقة هناك نظريتان حول الترفيه؛ نظرية أخذ بها الماديون من الغرب والشرق، وهي إجازة كل نوع من أنواع الترفيه، بل وإشاعة ذلك، بل وجعل الجد في حياة الانسان شيئا استثنائيا، في بعض الدول ساعات العمل أقل من ساعات الفراغ حتى للعمال.

الابدان والارواح تمل؛ فالذي لا عمل له ايضا يتعب، لان الله خلق الانسان وجعل سنته في جسمه وروحه ان يشتغل في حالة عمل، لكن لابد ان يكون هناك عمل عن آخر، لا ان يكون الترويح كل شيء.

و النظرية الثانية تقول: العمل والعمل فحسب، وهذه النظرية ترى ان الجد يجب ان يغلب على حياة الانسان، ولا يجوز له ان يرتاح، ولا أن يهتم بقضايا بسيطة، حتى انهم حرّموا على الفرد الضحك والتبسّم.

كما ان الاسلام اهتم بقضايا الجد والاجتهاد والعمل، اهتم في المقابل بحالات ضعف الانسان وارشده الى ان يرتاح

كلا النظريتان خاطئتان، لا الترفيه مطلوب لذاته، ولا الجد والاجتهاد بشكل مطلق، لان الترفيه ليس قضاء الوقت في الفساد، الترفيه في الاسلام يصل الى حد الضرورة ما دام أنه محطة للتموين، وطريقة لزيادة النشاط، ومن هنا نجد ان الانبياء والائمة كانوا يذكرون بعض النكت والقضايا التي تُضحك، ومزاح المؤمن وتبسمه عباده، لانه لا يمكن ان تصادق إنسان ومعاملتك دائما جد، اصحاب الامام الحسين عليه السلام، ليلة عاشوراء كانوا يمزحون فيما بينهم، واحدهم قال للثاني يوم عاشوراء: والله هذه ليست ساعة باطل، إن ربي يعرف ان كرهت الباطل منذ أن عرفت أن الله يمقت عليه أهله ولكن ليس بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم بسيوفهم ويا ليتهم قد مالوا.

كما ان الاسلام اهتم بالقضايا الكبرى والمصيرية في حياة الانسان، ايضا لم يهمل الأمور الجزئية والتي لها دور محور في بعض مفاصل الحياة، وهذه الشمولية في الدِين الاسلامي هو الذي يجعله متفردا عن بقية المناهج الاخرى في نظرتها للانسان.

___________

(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا