ثقافة رسالية

عواقب السكوت على الظالم

لا يخلو عصرنا الحالي من الظلم والظالمين، ولكن هذا لا يعني أن الظلم ظاهرة اليوم فقط أو ظاهرة هذا العصر وحده، كما أن الظالمين موجودون في كل حين، ولهذا وردت نصوص قرآنية مباركة، وأحاديث وآيات شريفة توعدّت الظالمين بعواقب تتناسب مع حجم الظلم الذي يرتكبونه بحق الآخرين، ولم تنهَ هذه النصوص الكريمة عن الظلم وتتوعد مرتكبيه، وإنما حثّت على عدم السكون عن الظلم والظالمين.

فقد قال الإمام السجاد عليه السلام: “أللهمَّ إني أعتذر إليك من مظلومٍ ظُلِم في حضرتي ولم أنصرْهُ”، فهذه الكلمات الشريفة التي تحمل معانٍ كبيرة تدل دلالةً تامة و واضحة على أهمية عدم السكوت عن الظلم، وعدم ترك الظالمين يرتكبون ظلمهم من دون أن نتصدى لهم بحزم، وهذه القضية ليست من مسؤولية الحكومات وحدة، وإنما كل فرد مطالَب برفض الظلم وفاعلهِ، والانتصار من دون خوف أو تردد للمظلوم.

لماذا يؤكد الإمام السجاد عليه السلام على أهمية أن لا نسكت عن الظالمين؟

الجواب في الحقيقة واضح، وفهمه ليس عسيرا علينا، وإنما نحن جميعا كمسلمين نفهم معاني هذا النص ونستوعبه جدا، ومع ذلك هناك من يصمت على الظلم وعلى ما يبدر من الظالمين من أعمال ظالمة، والأسباب هنا كثيرة، منها الخوف من الظالم، ومحاباته، وغض السمع والكلام عن أقواله وأفعاله الظالمة، خوفا أو مداراة للمصلحة الشخصية.

فهنالك اليوم الكثير من المسؤولين من أصحاب المسؤوليات والصلاحيات يظلمون العاملين تحت أمرتهم، وقد يتسببون في أذى كبير لهم، كأن يقوم المسؤول الإداري القيادي بمعاداة العمال، أو يقوم مدير الدائرة أو المؤسسة بمضايقات كثيرة تؤدي إلى ترك العاملين لأعمالهم وانقطاع أرزاقهم، وعندما يقول المسؤول بفعل الظلم، يسكت كثيرون، ولا يرفضون هذا العمل المسيء وغير الصالح، بل يوجد هناك من يقف إلى جانب المسؤول، ويدعمه ويؤده ويقول له أن ما قام به عمل صحيح، وهو في الحقيقة عمل محرّم لأنه نوع من الظلم للآخرين.

لذا لا يجوز التهاون أمام الظلم، ولا يجوز محاباة الظالمين ودعمهم، لسبب واضح أن الظلم كالنار التي تحرق الأخضر واليابس، فالظلم يحرق القيم الصالحة التي تضبط إيقاع العلاقات الاجتماعية وتجعلها متوازنة فتنعكس على متانة أو ضعف النسيج الاجتماعي، لذلك كلما كثر الظلم في مجتمع ما تكثر فيه المشاكل وتقل متانته، ويصبح مجتمعا بلا قيم، فتسود فيه حالات كثيرة غير صحيحة، وتغيب فيه قيم العدالة والإنصاف.

والمشكلة الأكبر حين تكثر هذه السلوكيات ويصطف الناس إلى جانب الظلم والظالمين ويسكتون عن أعمالهم الظالمة، سوف تكبر هذه الظاهرة ويتحول الظلم إلى ظاهرة مقبولة ومنتشرة بين مكونات المجتمع، كما أن الظالمين يتشجعون على زيادة الظلم بالآخرين، ولا يترددوا عن القيام بذلك، من هنا لابد من الوقوف بقوة ضد الظلم، بغض النظر عن كون المظلوم صديقك أو قريبك، بل لأنه إنسان يجب أن تمنع عنه الظلم وتقف بوجه الظالم.

هذا هو المعنى الذي نستخلصه من كلمات الإمام السجاد، عليه السلام، حين يعتذر إلى الله ـ تعالى ـ عن مظلوم في حضرته ولم ينتصر له، وهو عليه السلام إمام معصوم منزّه من الخطأ، ومع ذلك يقدم هذا النوع من الاعتذار عن قبول الظلم بالآخرين في حضرته، حتى يحث المسلمين والناس جميعا على الوقوف بوجه الظالم من دون تردد.لماذا؟

 الجواب: حتى لا يصبح الظلم ظاهرة اعتيادية مقبولة، فينتشر في المجتمع ويدمر النسيج الاجتماعي ويضعضع العلاقات الاجتماعية بين الناس، وبالتالي يعاني المجتمع كله من الخلل والضعف والارتباك بسبب غياب قيم العدل والإنصاف، وتحذير الظالمين من مغبة أفعالهم وأعمالهم وأقوالهم، لأن السكوت يعني القبول والموافقة، ولا يصح القبول بالظلم، ولا تأييد الظالمين حتى لا تضعف البنية الاجتماعية المتماسكة.

الظلم يحرق القيم الصالحة التي تضبط إيقاع العلاقات الاجتماعية وتجعلها متوازنة فتنعكس على متانة أو ضعف النسيج الاجتماعي، لذلك كلما كثر الظلم في مجتمع ما تكثر فيه المشاكل وتقل متانته، ويصبح مجتمعا بلا قيم

وأخيرا: إذا أردنا كمجتمع إسلامي أن نحمي أنفسنا من الظلم ومن الظالمين، فما علينا سوى أن نبادر بقوة وفي كل حين إلى رفض أعمال وقرارات الظالمين، حتى لا يتشجعوا ويُكثروا من الظلم، كذلك علينا أيضا أن ننصر المظلوم ضد الظالم، ولو أن المسلمين قاموا بهذا العمل ضد يزيد الذي ظلم الإمام الحسين، عليه السلام، وذويه وأصحابه المخلصين، لما تجرّأ الآخرون من الحكام الطغاة على ظلم الناس، ولهذا يعتذر الإمام السجاد، عليه السلام، عن مظلوم ظُلِم في حضرتي وهذا احتمال غير قابل للتحقق، لكنه يقدم لنا درسا برفض الظلم والظالمين في كل مكان وزمان.  

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا