قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “رأي الشيخ أحب إلي من جَلَد الغلام”. ( نهج البلاغة، الحكمة: 83).
للحياة ابعاد مختلفة، وليس لها بعد واحد فقط، تماما كما ان للجسم ابعاد مختلفة هي الطول والعرض والعمق والوزن، صحيح اننا في النظرة الاولية ـ للجدار مثلا ـ لا نرى إلا بعدا واحدا له، أما عرضه، وعمقه، ووزنه لا نراها بنظرة واحدة، إلا إذا قمنا بقياس تلك الابعاد.
كذلك الحياة ليست لها بعدا واحد وانما مجموعة ابعاد، وكما لا يجوز ان يتصرّف الانسان مع الاجسام من خلال نظرته الاولية التي يرى من خلالها بُعدا واحدا لها، كذلك لا يجوز له ان يتصرف مع الحياة إذا لم يرَ كل أبعادها.
الفارق بين ابعاد الجسم الواحد وابعاد الحياة، أن أبعاد الاول قابلة للرؤية واللمس، فطول الجدار وعرضه يمكن رؤيته، ووزنه يمكن قياسه، ولكن ابعاد الحياة ليست مرئية؛ قد يعجب البعض ان يقول كلمة نابية بحق إنسان، ولا يحسب ان تلك الكلمة تُرد عليه في يوم من الايام، لان مَن أحسنَ يُحسن إليه، ومن اساء يُساء إليه.
ذلك الاب الذي يأمر اولاده ولا يطيعون قال: أنا استحق هذه المعصية من قِبل اولادي، لان ابي قبل ثلاثين عاما كان يأمرني ولا اُطيع! هذا بعد لا نراه.
القرآن الكريم يعملنا بُعد النظر
من جملة ما يفعله القرآن الكريم للانسان أنه يشير له الى الابعاد المختلفة للحياة، وينبه الى ما يترتب على تصرفاته، إن خيرا فخير وان شرا فشر، فمثلا من تلك الابعاد غير المرئية من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: “اقلع الشر من صدرك غيرك بقلعه من صدرك”. فإذا كان هناك رجل تحقد عليه، وهو يحقد عليك، وتريد انت نزع ذلك الحقد منه، لابد أن تبدأ انت اولا بقلعه من صدرك، لانك حين تنوي له سواء، هو ايضا يبيّت لك شيئا ما، ولكي ترد سوءه امنع نيتك السيئة بالنسبة اليه، طبعا هذا بالنسبة بين المؤمنين، والمجتمع المسلم، وليس بين حاكم ومحكوم، وظالم ومظلوم، وآكل ومأكول.
ولمعرفة الابعاد المختلفة نحن بحاجة الى التجربة ومزيد من الاختبار، وربما بعض المشاكل، والتجربة والاختبار امران لا يتسنى للانسان ان يحصل عليهما من دون زمن، فليست التجربة حَبّة دواء يبتلعها فيصبح مجربا في الحياة، التجربة يجب ان تصبح جزاءً من شخصية الانسان، لان تجارب الافراد غير قابلة للانتقال، يمكن ان تكون تجربة غيرك شمعة في طريقك، لكن لا تصبح تجربة غيرك جزاء من شخصيتك، إلا إذا مررت عليها. لنفترض ان رجلا لم يسافر في حياته، ثم يؤتى له بخطيب ينقل له تجربة في الحياة، يلقي عليه محاضرات في السفر ومشاكله، وبالتأكيد لن يحصل على ذات التجربة التي حصل عليها ذلك الخطيب.
من الممكن ان يصبح لدى الشاب اراء ناضجة إذا كانت عاداته وتقاليده سليمة فيما يرتبط بالحياة
وبناء على ذلك يستطيع الانسان ان يقول بكل ثقة: أن الشاب رأيه ليس افضل من رأي الشيخ، لانه لم يجرب، صحيح أنّ فكرةً ما قد تنزل على مخ شاب لم تنزل على مخ شيخ كبير، لكن بشكل عام، الذين خَبَروا الحياة وجربوها رأيهم أفضل من رأي الغلام او الشاب وهنا يمكن الفارق بينهما.
وحتى نعرف ذلك الفارق لابد ان نطرح هذا السؤال: كيف يرى الشاب الحياة؟
والجواب: أن يجلس شاب مع شيخ كبير في السن ويطرح ـ الشاب ـ سؤال يعرف جوابه، يعني ان يسأله عن الامور الثابتة، حينها سيجد الجواب مختلفا.
نقاط القوة والضعف عند الشباب والشيوخ
الشاب يرى الحياة شكلا ويرى الشيخ نفس الحياة شكلا آخر، والسؤال المهم: ما هي نقاط القوة في الشاب؟
وما نقاط القوة عند الشيخ الكبير؟
وما نقاط ضعفهما؟
الانسان في الواقع يتدرج في نمو العقل وهذه سُنّة الله الجارية على ان يعطي العقل للانسان بالتدريج، طفل عمره سنة لا يعرف كثيرا من الامور، فلو وضعته في بداية الدرج لرمى بنفسه، وقد يركض ولا يحسب ان عليه ان يمسك نفسه لئلا يصطدم بالحائط، لكن بمرور الزمن ينمو عقله كلما كبرت مقدرته الجسمية.
ولذلك كلما كان الانسان اقرب الى الطفولة كان عقله اقل، فالطفل الذي عمره سنة اقل عقلا من طفل عمره سنتين وهكذا، وكلما ابتعد الانسان عن مرحلة الطفولة بدأ يسير نحو النضج العقلي، وغالب الانبياء، عليهم السلام، ـ ما عدا البعض ـ كانوا يُكلّفون بالرسالة بعد سن الاربعين، وفي العادة ينضج عقل الانسان في تلك المرحلة العمرية.
ولذلك يقال في المثل المعروف: (اكبر منك بسنة أعقل منك بعشر سنوات)، وعلى الاصغر سنا ان ينظر الى الاكبر منه انه أنضج منه عقلا بعشر سنوات، لانه الحياة ظلمات والانسان بحاجة الى هداية، خصوصا من اولئك الذين مرَّوا في تلك الطريق، وهم الذين خَبَروا الحياة وجربها.
نقطة ضعف الشاب عدم خبرته بالحياة، ونقطة قوته همته وطموحه، بينما الرجل الطاعن في السن ان نقطة قوته عقله، اما نقاط ضعفه فكثيرة منها؛ همته الخائرة، وهو دائما اكثر حذرا من الشاب لانه مر بتجارب.
الانطلاقة والهمة العالية يسميها أمير المؤمنين، عليه السلام: “جَلَد الغلام” اي الشاب المراهق، وليس الشاب الذي بلغ الثلاثين فما فوق لان هذا من المفترض انه ناضج، مرحلة الشباب تنتهي في الرابعة والعشرين من حياة الانسان، ثم تبدأ مرحلة أخرى من حياته.
قال أمير المؤمنين: “جهل الشباب معذور وعلمه محقور” اي صغير، وهنا لابد من نكتة مهمة، والد الشاب لاشك انه مرَّ بتجاربَ كثيرة وعليه ان يستشيره، لكن ذلك لا يعني ان يعمل بكل ما يقول أبوه، ومن غير الجيد أن يكون الشاب مغرورا لا يستشير الكبار وبالذات والده.
وكثيرا ما يختلط رأي وهمة الشباب بالهوى والشهوات، لكن الشيخ الكبير لا شهوات عنده، لذلك الشاب يخلط المنطق الهوى ويأتي بألف دليل على رأيه، لكن بعد البحث والتنقيب تجد ان تلك الادلة ترجع الى شيء واحد وهو شهوته ورغبته فقط.
افضل صورة يكون هناك شيخ جرّب الحياة يعطي الرأي لمجموعة من الشباب فينفذون، ولا تنافر في ذلك، ولابد ان يكون الشيخ الذي جرب، لان هناك كبار في السن لم يجرّبوا كل شيء في الحياة، البقّال كل عمله ان يشتري ويبيع الفواكه، فمن غير الصحيح ان يعطي رأيا في التاريخ، او في تبدّل الحضارات.
لمعرفة الأبعاد المختلفة نحن بحاجة الى التجربة ومزيد من الاختبار، وربما بعض المشاكل، والتجربة والاختبار امران لا يتسنى للانسان ان يحصل عليهما من دون زمن
واحيانا يحدث تنافر بين رأي الشيخ وإقدام الشاب، وفي هذه الرواية؛ فإن أمير المؤمنين يقدم رأي الشيخ على جَلَد الغلام، ونفس هذه الرواية ورد بمضمون آخر: “يعجبني رأي الشيخ وجَلَد الغلام” لكن الشرط ان يختلط الرأي مع الجَلَد.
يأتي أهمية رأي الشيخ من خلال أمرين:
- فهمه لابعاد الحياة المختلفة
- نضج آرائه.
والسؤال: كيف نجعل آراءنا ناضجة؟
هل من الصحيح ان ينتظر الانسان كبر سنه وتجاربه الكثيرة حتى يصبح رأيه ناضجا؟
الجواب: من الممكن ان يصبح لدى الشاب اراء ناضجة إذا كانت عاداته وتقاليده سليمة فيما يرتبط بالحياة، وهناك مجموعة من الشروط حتى يكون الرأي مسدّدا وسليما:
1.الاستشارة: على الشاب ان لا يكون مستبدا برأيه، “من اسبتد برأيه هلك”، فإذا كان لديك فكرة فاعرضها على غيرك، قال أمير المؤمنين: “المشورة تجلب لك صواب غيرك”، اي تنتقل اليك تجربة غيرك، وقال: “من استقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطأ والصواب” وقال: “أفضل الناس رأيا من لا يستغني عن رأي مشير”.
بعض الشباب لا يستشير فيما يرتبط بمشاكله الاجتماعية والعائلية، وفيما يرتبط بصحته كذلك، ودراسته وما اشبه، وكثيرا ما يكون الانسان في بداية شبابه ومراهقته لا يقبل النصيحة او الاستشارة من الآخرين.
2. مناقشة الفكرة مع الذات: قال امير المؤمنين: “الرأي مع الأناة وبئس الظهير الرأي الفطير”، وقال: “امخضوا الرأي مخض السقاء ينتج الرأي السديد”.
3. مناقشة الفكرة مع الآخرين: قال أمير المؤمنين: “اضربوا بعض الرأي ببعض يتولّد منه الصواب”. الافكار تتلاقح مع المجموعة، وربما قال البعض رأياً غير صائب لكن من هذا الرأي تأتي الفكرة الصائبة.
4. التفكير في الايجابيات والسلبيات: احيانا تأتينا فكرة وننظر الى الجانب الايجابي منها، ونغفل عن الجانب السلبي، لذلك يمكن كتابة الايجابيات والسلبيات في ورقة والمقارنة بينهما. قال أمير المؤمنين: “من جهل وجوه الاراء أعيته الحِيَل.
5. تجريب الفكرة: مثلا في الجانب التجاري؛ من غير الصحيح المغامرة برأس المال كاملا وكما يقال: لا تضع كل البيض في سلة واحدة. والتجريب يكون بشيء صغير قبل الاقدام على ما هو اكبر منه.
____________
(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
