نحن نعرف جميعاً شعور الامتحانات الدراسية: القلق، الاستعداد، السهر الطويل، والخوف من النتيجة، لأننا نعلم أنّ هناك يوماً محدداً سنجلس فيه أمام الأسئلة ولا مجال للهروب. لكن هل فكّرنا أنّ كل امتحانات الدنيا مهما كانت صعبة، فإنها لا تساوي شيئاً أمام الامتحان الأكبر يوم القيامة؟
هناك، لن يكون أمامنا ورقة وقلم، بل كتاب أعمالنا، ولن تكون هناك درجات نجاح أو رسوب بل جنة أو نار.
والأخطر من ذلك أن الأسئلة مسرّبة إلينا منذ الآن! نعم، نحن نعرفها قبل الامتحان، ولكن المشكلة: هل نعمل للإجابة عنها؟
رسول الله صلى الله عليه وآله:لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: “عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت”.
هذه الأسئلة الأربعة ليست مجرد امتحان عابر، بل هي مفاتيح تقييم حياتنا كلها، ومقياس حقيقي لمعنى وجودنا.
السؤال الأول: عن عمره فيما أفناه
العمر هو رأس مال الإنسان، وكل دقيقة فيه إمّا خطوة نحو الجنة أو نحو الهاوية. كم من ساعات قضيناها في لهوٍ بلا طائل، وكم من أيام مضت بلا أثرٍ في ميزان أعمالنا؟
الله سبحانه لن يسألنا: كم عشنا؟ بل: كيف عشنا؟
هل كان العمر في خدمة طاعة الله، في بناء النفس والمجتمع، أم ضاع بين التسلية الفارغة والجدالات العقيمة؟
السؤال الثاني: عن شبابه فيما أبلاه
لماذا أفرد النبي صلى الله عليه وآله الشباب بسؤال مستقل؟ لأن هذه المرحلة هي القوة، هي الطاقة، هي الفرصة الذهبية التي لا تعود.
كم من شاب أهدر أجمل أيامه في غفلة، وكم من آخر جعل من شبابه سلماً للارتقاء في مراتب الطاعة والعلم والخدمة؟
الشباب نعمة، ولكنها نعمة مغلّفة بالمسؤولية. فإن لم تستثمرها اليوم، ستتحول غداً إلى حسرة: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}.
السؤال الثالث: عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه
المال في الإسلام ليس مجرد وسيلة للرفاه، بل هو أمانة وسلاح ذو حدين. ستُسأل: من أين جئت به؟ هل كان من حلالٍ بيّن أم من طريقٍ مشبوه؟
ثم: أين أنفقته؟ هل كان في وجوه الخير، في مساعدة المحتاجين، في مشاريع نافعة، أم تبذيراً في الكماليات الفارغة والترف المقيت؟
المال الذي تملك هو شاهد عليك: إمّا أن يشهد لك، أو يشهد عليك.
السؤال الرابع: عن حبنا أهل البيت
هذه ليست دعوى تُقال باللسان فقط، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، حبّ أهل البيت يعني التمسك بنهجهم، السير على خطاهم في الصبر، في العدل، في مقاومة الباطل، في الرحمة والصدق والأمانة.
إذا كان سلوكنا يناقض قيمهم، فأين المحبة؟ إن الحب الصادق هو ما يترجم إلى أفعال، إلى التزام عملي بمنهجهم المبارك.
الآن، وأنت تقرأ هذه الكلمات، تخيّل نفسك واقفاً يوم القيامة، والأربعة أسئلة تُلقى عليك:
ماذا ستقول عن عمرك؟ ماذا ستقول عن شبابك؟ ماذا ستقول عن مالك؟ وماذا ستقول عن حبك لأهل البيت؟
هل ستكون إجابتك مطمئنة؟ أم ستقول: يا ليتني قدمت لحياتي؟
لا تنتظر ذلك اليوم لتكتشف التقصير، بل اتخذ قرارك الآن: استثمر عمرك، اغتنم شبابك، طهّر مالك، واثبت حبك لأهل البيت بالأفعال لا بالأقوال.الحياة قصيرة، والشباب لا يعود، فلا تؤجل التغيير حتى يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم.
