أدب

خطابٌ خاشعٌ في قصيدة “أبا الشهداء عذراً” للشاعر عبد الحسين خلف الدعمي

الكلام والمديح الموجه لسيد الثوار وأكرم الباذلين؛ الإمام الحسين، عليه السلام، يبقى قاصراً نثراً أو شعراً، إذ يعجز الشاعر والخطيب عن بلوغ ذروة ما يريد قوله، فهو العاشق الضعيف الذي كلما حاول تسخير أدواته الشعرية وتصوير المعاني، لكنه يصطدم بسيد المعنى والقيم والمبادئ، وسيد المضحين من أجل إعلاء كلمة الله، لذلك فهو في حاجة دائمة للعون، ويرجو ثم يرجو الذي افتدى بكل ما يملك في أبشع جريمة في التاريخ من أجل الإصلاح وإحقاق الحق ونشر الفضيلة والحفاظ على الإنسان وعلى عزته وكرامته وحريته.

يقترب الشاعر كزائر من الزائرين من الضريح المقدس الطاهر في البقعة الطاهرة ليفصح عن ما يجول في خاطره من أسى. يقترب خاشعاً عارفاً بحق الإمام، سبط الرسول مخاطباً إيّاه:

وَقفتُ على ضريحِكَ في خُشـوع

فيابنَ المُصطفى كُنْ لي مُجيرا

على مَرِ الدهورِ وأنتَ باقٍ

لِرَبِ الخلقِ في الدُنيا سَفيرا

سَخيٌ أنتَ جُدتَ بخيرِ نَفسٍ

لكي إسلامُنا يَبقى مُنيرا

 و يطوف الشاعر عبد الحسين الدعمي حول الضريح وهو يعرف المنزلة التي حباها الله للحسين الشهيد، عليه السلام، وقربه من الرسول، وكأنه يطوف حول قبر الرسول متيمناً بكلامه: “حسينٌ منّي وأنا من حُسين”، هذا المعنى الذي يجسد مدى العلاقة العظيمة التي بين النبي والإمام؛ نسباً وفكراً وقيادة للأمة، واستمرارية العمل والجهاد والإصلاح، إنه الامتداد الطبيعي لحمل الرسالة المحمدية الأصيلة يقول الشاعر:

فيا مَنْ كُنتَ خامسَ في كِساءٍ

حَباكَ اللهُ قديساً صَغيرا

وَفي الجَنّاتِ سَيدُ كُلِ صَبٍ

وَذا أمرٌ ألفناهُ شَهيرا

أطـوفُ على ضَريحِكَ بَيْـدَ أني

أرى نَفسـي بجَـدِكَ مُستجيرا

حُســينُ الحَقِ مُجتمِعٌ بنهـجٍٍ

أتى للناسِ أجمعَـِهِم نذيرا

يرى الشاعر نفسه أنه الصغير، ولكن بمدحهم قد أصبح كبيرا لأنه تشرف بذكرهم وبنورهم وبقيمهم ونهجهم، ويرجو من الله العلي القدير أن يشمله برحمته بجاههم ومنزلتهم العظيمة

وينتقل الشاعر ليصف لنا الموالين الوافدين المتجهين نحو قبر الامام ليجددوا العهد في كل عام، بل في كل وقت مهما صعبت الظروف، معبرين عن عشقهم، و ولائهم له، واستعدادهم للتضحية والفداء والسير على نهجه الاصلاحي السَويِّ الذي هو النهج الرسالي المحمدي الأصيل:

ويأتيكَ الوَرى شَرقاً وغرباً

فلمْ تَعرِفْ مَليكاً أو أجيرا

حُفاة ًيا حُسينُ إليكَ جاءَوا

أسالوا الدمعَ مُحترِقاً غزيرا

مَلاييـنٌ بأرضِ الطَـفِ حَلوا

وقالوا ها هُنا المَثوى أخيرا

فهذي الأرضُ قدسَها حُسينٌ

وَعطّـرَها الدَّمُ الزاكي عَبيرا

ويعتذر الشاعر (الدعمي)، -وهو يخاطب أبا الشهداء- لقلة حيلته، وقصر حرفه، وهو الذي يطلب منه الإعانة، فهو الشاعر المحب والموالي لآل البيت، عليهم الصلاة والسلام:

أبا الشهداءِ عُذراً من عزوفي

عن المألوفِ لمْ أَدرُكْ مَسيرا

أبا الشهداءِ يَقصُـرُ فيكَ حَرفي

وَتعرفني الفنونُ بها خَبيرا

ولكني ببـابكَ ضـاعَ رَشدي

وأَدركتُ الهَوى أمراً خَطيرا

وَضـاقَ بخاطري الكَلِمُ المُقفى

لأعطي حَقكَ البَعضَ اليَسيرا

فـعُذراً سَـيدي أَسعِفْ لساني

على قولٍ بهِ أُمسي ظهيرا

ويستمر الشاعر بالاعتذار بخشوع وأسى وضعف حيلته لعدم استطاعته، و إيفائه بما يستحقه آل البيت الكرام، عليهم السلام، ويرى نفسه أنه الصغير، ولكن بمدحهم قد أصبح كبيرا لأنه تشرف بذكرهم وبنورهم وبقيمهم ونهجهم، ويرجو من الله العلي القدير أن يشمله برحمته بجاههم ومنزلتهم العظيمة، فهم سادة البشر، وكل ما يمكن تقديمه لأجلهم فهو القليل، ففيض جودهم الكثير الأكرم وهم الشفعاء له يوم القيامة.

لآلِ مُحَمَدٍ أَوقفتُ شِعـري

شَـفيعي في غَـدٍ يَغدو حَريرا

أَبا الشهداءِ عُذراً يا حُسينٌ

لِساني قاصِـرٌ يَبـقى حَصـيرا

صَغيراً في المديحِ رأيتُ نَفسي

وقد صِـرتُ بمدحِكُـمُ كَبيرا

وَحسبي في غَـدٍ أُثوى بِرَغدٍ

لأني واجِـدٌ بِكُـمُ النَصيرا

لكل شاعر اسلوبه وطريقته في مديح اهل البيت، عليهم السلام، وشاعرنا الدعمي؛ من خلال انتقائه للمفردات الواضحة كان خاشعا معتذرا من الامام الحسين، عليه السلام، بطريقة الخطاب الفطري المباشر، ويرجوه أن يكون له خير شفيع يوم الورود، وأن لغة الشاعر تحمل الكثير من الشعر والصور، تدخل في قلب المتلقي بكل سهولة، وتخلق شعورا بالخشوع والاطمئنان والأمل فيتعمق الايمان والولاء، وتهفو القلوب اليه، ويستمر المسير بخطوات واثقة خاشعة ناهلة منه الصبر والعزيمة، معبرة عن عشقها الابدي، و ولائها الصادق مهما تجبرت الأزمان واشتدت الرزايا.

والسلام على كل قلب عشق الحسين، وعلى كل روح ضحت في طريق الحسين وعلى كل حرف توهج ودافع عن فكر الحسين، والسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

عن المؤلف

كفاح وتوت

اترك تعليقا