أسوة حسنة

في ذكرى شهادة الإمام العسكري.. حركة الإنجاز التاريخي بتأسيس المشروع الرسالي العابر لحدود الأشخاص والأزمنة

في ذكرى استشهاد الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، تطالعنا سيرة مضيئة لرجل عاش حياته القصيرة بين القيود والأسوار، لكنه لم يرضَ أن يكون أسيراً لها، لقد وُلد في بيت النبوة، ونشأ في أجواء العلم والتقوى والقرآن، ثم شاءت إرادة السلطة العباسية أن تُحكم قبضتها عليه، ففرضت عليه الإقامة الجبرية في مدينة سامرّاء، وأحاطته بالرقابة الدائمة والجواسيس، خشيةً من امتداده الروحي والفكري في الأمة، لكنّ هذه العزلة لم تنجح في خنق رسالته، بل كانت مناخاً خاصاً لنضوج تجربة فكرية وروحية عميقة، أكّدت أنّ الفكر الأصيل لا يُسجن، وأن الكلمة حين تصدر من قلبٍ صادق تتجاوز كل الجدران وتتحقق الأهداف والغايات الكبرى.

كان الإمام العسكري يدرك أنّ طبيعة المواجهة مع السلطة العباسية لا يمكن أن تكون مواجهة ظاهرية مباشرة، لأنها ستؤدي إلى إراقة الدماء بلا ثمرة، بل لا بد من مواجهة من نوع آخر: مواجهة بالوعي، بالكلمة، والعلم والمعرفة، لذلك ركّز في مشروعه على بناء الداخل قبل الخارج، وعلى صياغة هوية أتباعه بالعلم والأخلاق، ومن هنا جاء تأكيده المستمر أنّ شيعته هم من سلمت قلوبهم من الغش والغلّ، في إشارة إلى أنّ الانتماء إلى خط أهل البيت ليس انتماءً سياسياً سطحياً ولا شعاراً عاطفياً، بل هو التزام أخلاقي عميق يُترجم في السلوك الفردي والاجتماعي بهذا الفهم، تصبح الأخلاق ليست مجرد فضيلة إضافية، بل شرطاً أساسياً لصحة الولاء.

ومع أنّ الإمام كان تحت أعين الجواسيس، فإنه استطاع أن ينقل علمه إلى ثلة من التلامذة والعلماء الذين شكّلوا فيما بعد امتداداً لمدرسته، كما تمكّن من إدارة شبكة من الوكلاء في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي. هذه الإدارة كانت وسيلة وأداة مهمة لحلّ قضايا الناس أو للإجابة على أسئلتهم، بل كانت تمهيداً استراتيجياً لمرحلة الغيبة، حين سيكون على الأمة أن تتعامل مع إمام غائب عن الأنظار. لقد أراد الإمام أن يُدرّب الأمة عملياً على فكرة الارتباط بالخط الرسالي كنهج وفكر وثقافة دون الحاجة إلى وجود مباشر للقيادة، فكان بذلك يُعدّ النفوس لزمن جديد من العلاقة بالإمام، علاقة تقوم على الثقة والوعي والمسؤولية والإلتزام بالنهج وقيم المسيرة، لا على الاتصال المادي المباشر.

لقد قام الإمام بتدريب الأمة عملياً على فكرة الارتباط بالخط الرسالي كنهج وفكر وثقافة دون الحاجة إلى وجود مباشر للقيادة، والذي تمتد آثاره حتى وقتنا المعاصر

إنّ هذا البُعد الاستراتيجي في فكر الإمام العسكري، عليه السلام، يبيّن أنّه لم يكن قائداً يكتفي بإدارة اللحظة، بل كان يزرع البذور لمستقبلٍ طويل الأمد. فهو علّم أتباعه أنّ الغياب لا يعني الفراغ، وأن القيادة قد تتجلى بوسائط وأساليب مختلفة، وأن الأصل هو استمرارية المشروع الرسالي الذي يتجاوز حدود الأشخاص والأزمنة، وهنا نجد درساً فكرياً بليغاً: إنّ القيادة في مفهوم أهل البيت، عليهم السلام، لا تتمثل في الحضور الشخصي للإمام عليه السلام، بل هي قبل كل شيء مشروع معرفي وأخلاقي ممتد يتجاوز حدود الزمان والمكان والأشخاص.

لقد أراد العباسيون أن يحاصروا الإمام العسكري عليه السلام في بيت صغير، لكنهم لم يدركوا أنّ هذا الحصار نفسه سيُحوّله إلى مدرسة كبرى، فكل كلمة خرجت منه كانت بمثابة بذرة علم وفقاهة ومعرفة، وكل موقف صبرٍ منه كان إعلاناً عن قوة داخلية أعظم من جبروت السلطة، من هنا نفهم أنّ الشهادة لم تكن نهاية الإمام عليه السلام، بل كانت بداية أخرى لمرحلة الغيبة الكبرى التي انتقلت فيها الراية إلى ولده الإمام المهدي، عجل الله تعالى فرجه الشريف. إنّ موته مسموماً في ريعان الشباب لم يكن انكساراً، بل كان حلقة في سلسلة من التدبير الإلهي لحماية الرسالة واستمرارها.

وحين نتأمل سيرته في ذكرى استشهاده، فإننا لا نقف أمام مأساة عابرة، بل أمام نموذج فريد لإدارة الصراع تحت القمع، فهو علّمنا أنّ تحمل مسؤولية الإصلاح والتغيير ليست دوماً بالسيف، وأنّ الصبر ليس ضعفاً ولا استسلاماً، بل هو شكل من أشكال القوة العميقة التي تُحافظ على الوعي وتنتظر اللحظة التاريخية المناسبة للتغيير، ومن هنا فإنّ الإمام العسكري، عليه السلام، قد ترك لنا دروساً عابرة للزمان والمكان، وتمتد إلى حاضرنا وهي: أن الفكر حين يكون أصيلاً لا يمكن أن يُلغى، وأن الأخلاق حين تكون أساس الانتماء فهي الحصن الحقيقي ضد الانحراف، وأنّ الانتظار للعدل الموعود لا ينبغي أن يكون انتظاراً سلبياً، بل يقظةً دائمة وعملية تحمل مسؤولية مستمرة لصناعة المستقبل.

وأمّا الدلالة المعاصرة، فالأمة اليوم، وهي تواجه أنظمة الاستبداد، وأشكال التسلّط، وتيارات التشويه الفكري والثقافي، أحوج ما تكون إلى قراءة تجربة الإمام العسكري، عليه السلام، لتستلهم منها الرؤية والنهج، فكما علّم أتباعه أنّ الانتماء يبدأ من صفاء القلب، فإنها مدعوة لأن تجعل الأخلاق أساس حركتها، وكما درّبهم على إدارة شؤونهم في غياب القيادة المباشرة، فهي مدعوة اليوم إلى بناء مؤسسات قوية ووعي جمعي قادر على مواجهة التحديات بعيداً عن التشتت والارتهان، وكما حوّل الإمام حصاره إلى مدرسة، فإن الأمة قادرة على تحويل محنها إلى فرص، وضعفها إلى قوة، إذا جعلت الوعي والبصيرة منطلقها الأول.

القيادة في مفهوم أهل البيت عليهم السلام لا تتمثل في الحضور الشخصي للإمام عليه السلام، بل هي قبل كل شيء مشروع معرفي وأخلاقي ممتد يتجاوز حدود الزمان والمكان والأشخاص

إنّ استحضار سيرة الإمام العسكري ليس مجرد وفاء لشخصية تاريخية، بل هو استدعاء لعقلية الوعي التي تحتاجها الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى، إنه تذكير بأن تحقيق الأهداف الكبرى ممكن بالتخطيط الواعي والعمل برؤية وبصيرة المسؤولية والتكليف والوظيفة الأخلاقية والشرعية، يبدأ بالإيمان الراسخ والثقة بأن الله ـ تعالى ـ مع الصادقين والمخلصين وأنّ العدل الموعود لا يتحقق إلا بأمة مستعدة تتحمّل مسؤوليتها في الإصلاح والتغيير، وبالتالي تحقيق النهضة المنشودة في المجتمع والأمة، وهكذا تبقى سيرته منارة فكرية وروحية تربط الماضي بالحاضر، وتفتح أبواب الأمل للمستقبل بالوعي والبصيرة وتحمل المسؤولية.

عن المؤلف

د. راشد الراشد

اترك تعليقا