ويبقى الحسين عليه السلام منهلا عذباً للكثير من الشعراء الموالين على مدى الأزمنة وتعدد الأمكنة لأنه المعين الذي لن ينضب يتفجر كل حين وفي كل أرض مادام الصراع قائماً بين الخير والشر وما دامت النفوس التواقة للتضحية في مجابهة دائمة مع الظلم تتحلى بالعزيمة والثبات من أجل القيم والحرية.
في المقال السابق تطرقنا لنصوص مجموعة من الشعراء الراحلين رحمهم الله الذين عبّروا عن عشقهم وصدق انتمائهم للمبادئ التي ضحى من أجلها الامام الحسين، عليه السلام، بكل غال ونفيس فاستحق الخلود.
نسلط الضوء على نصوص مجموعة أخرى ممن ساروا على ذات النهج الحسيني السديد، الشاعر حسين فهمي الخزرجي رحمه الله ينشد في أبياته السامية مخاطباً الإمام الحسين مصورا السمو الذي لم يكن لولا تضحياته الجسيمة في يوم عاشوراء:
سما بك المجد فخراً صار عنواناً
للثائرين وأهدافاً وإيماناً
سما بك المجد مزهواً بما بلغت
أهدافك الغر في تاريخ دنيانا
سما بك المجد يا سبط الرسول فقد
سموت يا سيدي مذ مت ضمآنا
فسموّ المجد آتٍ من الفعل الثوري الحسيني ومن البذل المختلف الذي تجاوز المألوف من أجل تحقيق الأهداف التي خرج من أجلها الامام، عليه السلام، وهي الإصلاح في أمة جده، وهو سبطه، وهو الامتداد له ولم يتحقق هذا السمو وهذا الخلود إلا بسبب التضحيات التي تجسدت بالصبر على العطش، وبذل الأنفس الطاهرة في سبيل إحقاق الحق، وهذا ما سما به الشاعر حسين فهمي الخزرجي رحمه الله في إيصال هذا المفهوم، فالخلود لم يكن إلا للأفعال العظيمة والقول الهادف والذكر النافع ومن يذكر الحسين لن يموت أبدا.
وهذا ما أكده الشاعر علي الفتال رحمه الله في قصيدة (هو ذا الحسين):
ما مات من ذكر الحسين بشعره
بل مَن عداه الى سواه ماتا
إن الحسين يظل شمساً ساطعاً
ويزيد في الظلما يظلُّ شتاتا
اذن الخلود والتوهج يبقى بسطوع الحسين والخزي والموت لقتلته الظالمين فالدم انتصر على السيف، وهذا التوهج الحسيني البهي ينتقل الى من يؤمن بقضية الحسين فيؤثر فيه ويفجر طاقاته بكل صبر وعزيمة، ويتعلم كيف يثبت للدفاع عن الحق والحقوق ودوام الاصرار والتحدي للظلم، ففي أبيات أخرى من القصيدة يتوهج الشاعر بالنشيد:
ونشيدنا يبقى (أبد والله لا
ننسى حسينا) بل نظلّ دُعاتا
ونظلُّ نهتف (يا حسين) بشِيبنا
وشبابنا وحواضراً وبُداتا
ويطلق الشاعر كاظم جواد الحلفي رحمه الله محبته وشعوره متوهجاً إذ رأى كل الحقيقة في الأمام الحسين، عليه السلام، وبعطائه الذي لا يشابهه عطاء:
أودعتُ فيك محبتي وشعوري
وبلغتُ فيك عوالماً من نور
فتشت عن كنه الحقيقة في الدنا
فوجدتها بعطائك الموفور
وفي أبيات من قصيدة (درس وعبرة) يشير الى قوة وصلابة أصحاب الحسين، عليه السلام، وثباتهم، فهم الذين مدحهم الإمام بعد ما خيّرهم وأعطاهم الإذن للرجوع الى ديارهم، ولكنهم أبوا الا أن يستمروا معه، فضحوا بأرواحهم من أجل الحفاظ على مبادئ الدين الاسلامي الذي أرادت آل أمية أن تشوّه فكره الساطع والعودة الى جاهليتها الضالة الحاقدة، يقول الشاعر كاظم جواد الحلفي رحمه الله:
صالوا لـيـوثـاً لا يـهـابـونَ الرَّدى
ومضوا إلى ربِّ الورى شهداء
فتناثروا مثلَ النجومِ على الثرى
مُذ أصبحوا في (كربلا) أشلاءا
فما أروع توهج الشعر والشاعر بتناثر الأصحاب مثل النجوم وهي أشلاء على رمضاء كربلاء!
ويهيم الشاعر هادي الربيعي رحمه الله متوهجاً بحبه واندماجه الروحي العميق وهو يصف ما يراه وما يشعر به في تلك اللحظات من الهيبة والخشوع فيقول في قصيدته (عند ضريح الحسين):
الفيْتني في يمِّ حبك طافيا
في زورق ينساب خلف زمانيا
فإذا ببحر الضوء يسطع هادئاً
تمضي مجاديفي عليه تراخيا
وإذا بآلاف الزوارق أترعت
بالضوء يسري طيفهن أماميا
حاذيت آخر زورق متسائلاً
عما جرى لي أو أصاب خياليا
يندهش الشاعر بكل ما يشعر به وهو يتساءل فيأتيه الجواب من أعماق روحه المحلقة في فضاءات العشق والإيمان والانتماء:
أو ما جرت عند الحسين دموعك
الحرّى دماً ومسحتَ خدّكَ باكيا
وحملتَ رايته وغيرك ينثني
ورفعتها رغم العواصف عاليا
لذلك فإن كل ما يشعر به من توهج وولوج في رحاب الحسين هو الفعل النبيل والعمل المثمر واليقين بمظلومية الإمام عليه السلام.
ومن منطلق الخلود وبقاء جذوة الطف متوهجة على مدى العصور منارا للأحرار في العالم، فكل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء يتوهج الشاعر عدنان الغزالي رحمه الله بمقطع من قصيدته (تداعيات وردة الدم) يقول فيه:
فكأنّ (الطفّ) انتصبتْ ثانية
وتظلُّ كذا في كلِّ مكان
يُقتلُ أطفالَ فلسطينْ
يدمي أوجه نسوتها
… أين المختار
يأخذ بالعدلِ؟
ربط الشاعر القضية الحسينية بقضية فلسطين التي ما زالت تحت قمع الاحتلال الصهيوني، وما زالت المقاومة تضحي بالأرواح من أجل القدس مسرى الرسول، صلى الله عليه وآله، كما ضحى الإمام الحسين، عليه السلام، بكل شيء من أجل الدين، وأن تبقى راية الحق خفاقة في سماء العز والإباء. رحم الله الشعراء الذين كتبوا بأقلامهم عن قضية الإمام الحسين، عليه السلام، بما استطاعوا تلبية لندائه الخالد لينصروه بما جادت قرائحهم وحروفهم المتوهجة.
