الهدى – متابعات ..
لم تعد الشعائر الحسينية في العراق مجرد طقس ديني يُمارس في أيام معدودة، بل تحولت إلى مؤسسة اجتماعية ضخمة، تمتد جذورها في عمق الوجدان الشعبي وتنهض بهياكل تنظيمية تتسع عاماً بعد عام.
وهذا التحول، الذي تسارعت وتيرته بعد عام 2003، جعل من العزاء الحسيني واحدة من أبرز الملامح الاجتماعية التي يُعيد من خلالها العراقيون تشكيل ذاكرتهم الجمعية، وتعزيز روابطهم المحلية، وتجديد شعورهم بالانتماء.
فلم يعد الأمر يقتصر على إحياء ذكرى، بل أصبح بناءً مجتمعياً فعّالاً، يحرك الاقتصاد ويمنح مئات الآلاف فرصًا للعمل التطوعي والمشاركة المجتمعية.
أرقام رسمية تكشف حجم الظاهرة
وتُظهر الإحصاءات الرسمية مدى التوسع غير المسبوق في حجم المشاركة والتنظيم. ففي زيارة الأربعين لعام 2024، أعلنت العتبة العباسية المقدسة أن عدد الزائرين بلغ أكثر من 21.4 مليون زائر، وهو رقم تم احتسابه بدقة عالية باستخدام أنظمة العد الإلكتروني المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير الأرقام إلى أن قرابة 3.5 مليون زائر إيراني دخلوا العراق عبر المنافذ البرية، مما يؤكد مكانة العراق كمركز ديني عالمي.
ولم تقتصر الإحصاءات على أعداد الزائرين فقط، بل شملت توزيع 300 ألف منشور ديني وثقافي، ونصب 180 محطة تثقيفية، وتشغيل 100 محطة قرآنية، مما يعكس تحول الشعائر من فعل ديني صرف إلى مؤسسة دينية-اجتماعية-خدمية متكاملة.
إشراف مركزي وتأسيس منظم
ومع تضاعف أعداد الزائرين إلى أكثر من 20 مليونًا، تحولت الشعائر الحسينية من طقوس عفوية إلى حدث يتطلب إدارة دقيقة وتنظيمًا على مستوى دولي. وهنا، يبرز الدور المحوري للمؤسسات الدينية، لتبني مشاريع خدمية وصحية وأمنية وثقافية.
يؤكد جسّام السعيدي، معاون رئيس قسم الإعلام في العتبة العباسية، أن مهمة قسم الشعائر والمواكب هي تنظيم جداول نزول المواكب، وهو امتداد تاريخي لما كان معمولاً به قبل منع الشعائر عام 1977.
ويوضح أن استحداث هذا القسم بعد عام 2003 جاء استجابةً للتطور الهائل في أعداد المواكب وتنوعها، بما في ذلك مواكب من دول أجنبية. وقد تم إدخال نظم حديثة مثل بطاقات التعريف للمواكب وتنظيم الجداول الزمنية لتفادي الفوضى وضمان أمن وسلامة الزائرين.
أثر اجتماعي واقتصادي
وتمثل الشعائر الحسينية، وخاصة زيارة الأربعين، حالة اقتصادية فريدة من نوعها. يصفها الخبير الاقتصادي مصطفى أكرم حنتوش بأنها “الاقتصاد الموسمي المجتمعي”.
وهذا الاقتصاد يُعيد هيكلة حركة التسويق والطلب في قطاعات حيوية مثل الغذاء، الألبسة، النقل، والإيواء.
ويشير حنتوش إلى أن هذا النشاط يُعيد إنتاج السوق المحلي خارج قنوات الدولة، لكنه يكملها، ويؤكد قدرة المجتمعات العراقية على تحريك السوق من الداخل، مما يعكس مظهرًا إيجابيًا من مظاهر الازدهار المحلي.
الكاميرا.. شاهدة على التحولات
وتُعد الكاميرا أداة فعالة لتوثيق هذا التحول. حيث يرى المخرج والمصور أمجد عبد أن المصور لا يلتقط مشهدًا عابرًا، بل يوثق لحظة من الزمن تحمل تحولًا ثقافيًا واجتماعيًا.
فبعد عام 2003، برزت الشعائر الحسينية بشكل علني وبممارسات جديدة، وتوسع نطاقها من أزمنة وأماكن محدودة إلى ساحة يومية، مما أضاف بُعدًا جديدًا لمفهوم الشعائر.
ويوضح عبد أن كل صورة تُلتقط في هذا السياق لا تمثل مجرد وثيقة تاريخية، بل هي شاهدة على تطور ديناميكي في شكل وطريقة أداء هذه الشعائر.
